ولت بنكرة، قالوا:"جاء وحده"1 أي: منفردا و:"رجع عوده على بدئه"2، أي:
1"وحده"حال من فاعل جاء المستتر، وهي معرفة بسبب إضافتها إلى الضمير الواقع مفعولا؛ لأنها مصدر"وحد"وجامدة بمشتق، كما ذكر المؤلف. وكلمة"وحد"اسم يدل على التوحد والانفراد، وأغلب استعمالاته منصوبا؛ إما لفظا؛ نحو: جاء وحده، واجتهد وحدك، وكما في قوله عز شأنه: {فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} [سورة غافر، الآية: 84] . وإما منصوبا تقديرا، وذلك إذا أضيف إلى ياء المتكلم، كما في قول الشاعر:
والذئب أخشاه إن مررت به ... وحدي وأخشى الرياح والمطرا
وجاءت هذه الكلمة مجرورة بالإضاة في خمس كلمات؛ وقعت في معرض المدح أو الذم؛ ففي معرض المدح، قالوا:"فلان نسيج وحده"و"فلان قريع وحده".
وقالوا في الدلالة على الإعجاب بالنفس:"فلان رجيل وحده"؛ ومن الأول قول عائشة -رضي الله عنها- واصفة عمر بن الخطاب:"كان والله أحوذيا نسيج وحده".
وقالوا عند إرادة الذم"فلان عيير وحده"و"فلان جحيش وحده"؛ والعيير: تصغير"عير"؛ وهو الحمار؛ والجحيش: تصغير"جحش"؛ وهو لد الحمار.
وأما بالنسبة إلى إعرابه: فقال سيبويه والخليل بن أحمد: هو اسم موضوع موضع المصدر الموضوع موضع المشتق؛ فهو منصوب على الحال؛ وكأنك، حين تقول:"جاء زيد وحده"قد قلت: جاء زيدا إيحادا؛ أي انفرادا؛ وأنت تريد: جاء زيد متوحدا؛ أي منفردا.
وذهب يونس بن حبيب وهشام والكوفيون: إلى أنه منصوب على الظرفية، والتقدير في قولك:"جاء محمد وحده": جاء محمد لا مع غيره؛ وهؤلاء قاسوا"وحده"على مقابله؛ وهو قولهم:"قد جاء محمد وعلي معا".
واختلفوا أيضا في صاحب الحال لـ"وحده"ففي قولهم:"رأيت زيدا وحده"يرى سيبويه أن صاحب الحال هو الفاعل؛ وقال ابن طلحة: هو حال من المفعول، وأجاز المبرد كلا الوجهين؛ والأرجح أن صاحب الحال في المثال المذكور المفعول؛ لأنه لو أراد نفسه؛ لقال: رأيت زيدا وحدي. انظر في هذه المسألة: شرح ابن عقيل: 2/ 249-252، وهمع الهوامع: 1/ 239-240، وشرح الأشموني: 1/ 244.
2 عوده: حال من الفاعل المستتر في رجع، وهو معرفة بإضافته إلى الضمير، ومؤول بالمشتق ومعناه: رجع عائدا في الحال، أو رجع على الطريق نفسه. ويروى برفع"عوده"على أنه مبتدأ والجار والمجرور بعده خبر، والجملة حال من الضمير في جاء. ويقال هذا:"الإنسان"عهد منه عدم الاستقرار على ما ينقل إليه، بل يرجع إلى ما كان عليه واختلف في رواية النصب اختلافا كثيرا. التصريح: 1/ 373، الكتاب لسيبويه: 1/ 391.