التي عبدت مع الله بغير برهان، مع العلم أن من المعبودات مع الله من ليس بمقر ولا راض، بل ينكر هذا إنكارا ليلا ونهارا، سرا وجهارا.
وهذه الدعوة إلى الله تعالى بهذا الأصل العظيم محل إجماع بين الرسل، وقد كان أول ما يقرع آذان المدعوين من أقوام الأنبياء والرسل، دعوتهم إلى خلع الأصنام والتماثيل، والطواغيت المعبودة مع الله تعالى فوق الأرض من السادة والعلية من القوم والقادة، وذلك بقولهم: {يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} ، كما قال تعالى مخبرا عن دعوة أول رسول إلى أهل الأرض نوح عليه السلام: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الأعراف: 59] .
وبيان دعوة هذا الركب المبارك من الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام إلى أقوامهم قول الله تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36] .
وقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25] .
وقوله تعالى: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} [الزخرف: 43 - 45] .
وهذه نفسها دعوة نبينا ورسولنا صلى الله عليه وسلم لقومه ولأمته من بعده، فكان أول مادعاهم إليه: «قولوا لاإله إلا الله تفلحوا» ، وكان أول ما يأمر به صلى الله عليه وسلم رسله أن يبلغوا عنه: «فليكن أول ماتدعوهم إليه التوحيد» ، ومن بين ما أنزل الله عليه من الآيات في أول الأمر قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. قُمْ فَأَنْذِرْ. وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} . والإنذار هنا من الشرك وأهله، وتكبير الله تعالى بالتوحيد وإفراده بالطاعة. وإلا فهل يتصور عاقل هنا أنه صلى الله عليه وسلم أنذر من ترك الصلاة، أو ترك الزكاة، أو ترك الحج، فكل هذا وغيره من الشرائع مما يعلم انه لم يفرض أولا وابتداء، فعلم يقينا أنه أمر بالإنذار من الشرك وأهله.
وهذا الذي سطر آنفا هو أول واجب على كل عالم داع الى الله، متبع لرسول الله صلى الله عليه وسلم، الدعوة إلى التوحيد، والإنذار من الشرك وأنواعه وصوره، والدعوة إلى التوحيد بشموليته حتى آخر رمق في هذه الحياة الدنيا، مصداق هذا وبيانه قوله تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف: 108] .
فأتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشون على نهجه وطريقه دعاة إلى الله على بصيرة، وذلك بالعلم الذي أنزله الله قد فارقوا المشركين مع الله اسما وحكما وتبليغا،