الصفحة 11 من 178

وعن الآية المحكمة الأولى قال العلامة المفسر أحمد الجصاص [1] - رحمه الله-: وقوله تعالى: {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه} الآية؛ وقوله: {والذين معه} قيل فيه: الأنبياء، وقيل: الذين آمنوا معه؛ فأمر الله الناس بالتأسي بهم في إظهار معاداة الكفار وقطع الموالاة بيننا وبينهم بقوله: {إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا} . فهذا حكم قد تعبد المؤمنون به وقوله: {إلا قول إبراهيم لأبيه} يعني في أن لا يتأسوا به في الدعاء للأب الكافر، وإنما فعل إبراهيم ذلك؛ لأنه أظهر له الإيمان ووعده إظهاره، فأخبر الله - تعالى - أنه منافق، فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه؛ فأمر الله - تعالى - بالتأسي بإبراهيم في كل أموره إلا في استغفار للأب الكافر. اهـ (أحكام القرآن للجصاص -(5/ 326) - طـ/ دار إحياء التراث العربي)

وقال تعالى مخبرا عن قولة إبرهيم عليه السلام: {قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ. إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 78، 79] .

وقال تعالى آمرا نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول: {أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ} [الأنعام: 19] .

وقال تعالى آمرا نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ. لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ. وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ. وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ. وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ. لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ.} [الكافرون] .

وقال تعالى: {بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ. وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [التوبة: 1 - 3] . وسيأتي مزيد من البيان والإيضاح لهذا في محله من هذه الرسالة.

• الأصل الثالث: الدعوة إلى إفراد الله تعالى بكل أنواع العبادة، وترك كل المعبودات الباطلة الأخرى، والدعوة إلى خلعها من فوق الأرض وفي القلوب، وهي

(1) هو العلامة الكبير والمفسر النحرير أحمد بن على الرازى المكنى بأبي بكر اشتهر بلقب الجصاص ولد عام (305 هـ) ، وهو أحد فرسان العلم والعلماء حنفي المذهب، انتهت إليه إمامته في عصره في بغداد، له رحلات في طلب العلم، من أشهر شيوخه الكرخي المعروف، ومن أشهر طلبته عبد الله الجرجاني المشهور، له مؤلفات عدة من أشهرها - أحكام القرآن - والكتاب النافع المسمى - الفصول في الأصول - الشهير بأصول الجصاص، كانت وفاته رحمه الله عام (370 هـ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت