لا يكاد البطال يفلح ولا يكاد البخيل يسود ولا يكاد الجبان يفرح ونحو ذلك وإن كانت في كلامين اقتضت وقوع الفعل بعد أن لم يكن مقاربا كما قال ابن مالك فهذا التحقيق في أمرها والمقصود أن قوله لم يكد يراها إما أنه يدل على أنه لا يقارب رؤيتها لشدة الظلمة وهو الأظهر فإذا كان لا يقارب رؤيتها فكيف يراها قال ذو الرمة
إذا غير النائي المحبين لم يكد ... رسيس الهوى من حب مية يبرح
اي لم يقارب البراح وهو الزوال فكيف يزول فشبه سبحانه أعمالهم أولا في فوات نفعها وحصول ضررها عليهم بسراب خداع يخدع رائيه من بعيد فإذا جاءه وجد عنده عكس ما أمله ورجاه وشبهها ثانيا في ظلمتها وسوادها لكونها باطلة خالية عن نور الإيمان بظلمات متراكمة في لجج البحر المتلاطم الأمواج الذي قد غشيه السحاب من فوقه فياله تشبيها ما أبدعه وأشد مطابقته بحال أهل البدع والضلال وحال من عبد الله سبحانه وتعالى على خلاف ما بعث به رسوله وأنزل به كتابه وهذا التشبيه هو تشبيه لأعمالهم الباطلة بالمطابقة والتصريح ولعلومهم وعقائدهم الفاسدة باللزوم وكل واحد من السراب والظلمات مثل لمجموع علومهم وأعمالهم فهي سراب لا حاصل لها وظلمات لا نور فيها وهذا عكس مثل أعمال المؤمن وعلومه التي تلقاها من مشكاة النبوة فإنها مثل الغيث الذي به حياة البلاد والعباد ومثل النور الذي به انتفاع أهل الدنيا والآخرة
تفسير الآية مثلهم كمثل الذي استوقد نارا
ولهذا يذكر سبحانه هذين المثلين في القرآن في غير موضع لأوليائه وأعدائه كما ذكرهما في سورة البقرة في قوله تعالى مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت من حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون صم بكم عمي فهم لا يرجعون