(97) وأجمع القرطبيون على اثر ذلك على رد الأمر لبني أمية، وكان عميدهم في ذلك الوزير أبو الحزم جهور بن محمد بن جهور، واتفقوا على مبايعة هشام بن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن الناصر وبعث إليه أهل قرطبة بالبيعة وهو بمقره بحصن ألبونت، فتلقاها في 25 ربيع الآخر سنة 418 هوتلقب بالمعتد بالله. وكان هشام الثالث (المعتد) أضعف من أن يحقق الآمال المعقودة عليه، ذلك أنه رغم طيبته وسماحته مترددا، كسولا.
لا يعنيه غير ملء بطنه لأعلى وقد تبين للأشراف غداة مقدمه عدم توفيقهم في إختيارهم إياه، وعقد في دارة الملك إجتماع كبير قدم فيه جميع الموظفين إلى الخليفة الذي لم يألف هذه الإجتماعات ولا تلك الخطب، فلم يفتح عليه بغير كلمات قلائل حتى لقد أناب في الكلام عنه أحد الوزراء، أما هو فقد إرتج عليه ولم يفه بكلمة يطيب بها خاطر الشعراء الذين كانوا ينشدون بين يديه ما أعدوه من قصائد بمناسبة إعتلائه العرش، بل لقد ظهر عليه أنه لم يفهم شيئا مما كانوا ينشدون ولذلك «لم يطل عهده بقرطبة إذ استوزر رجلا يعرف بحكم ابن سعيد القزاز، ويكنى بأبي العاص، كان يكرهه أهل قرطبة لاستبداده برأيه وتعسفه، ومخالفته لآراء الوزراء السابقين، وإكرامه للبربر وإجزاله لهم العطاء، فبطشوا به وقتلوه. وانتهز أمية بن عبد الرحمن بن هشام بن سليمان، أحد أمراء بنى مروان، فرصة مقتل الوزير المذكور، ليحرض العامة على المعتد سعيا لاسقاطه، وإعتلاء كرسي الخلافة مكانه وثار أهل قرطبة وراء أمية في 12 ذو الحجة سنة 422 ه، وحاصر العامة قصر الخلافة، وأخرج هشام من قصره هو ونساؤه وولده، وأنزل إلى ساباط المسجد الجامع المؤدي إلى المقصورة، وظل هناك أسيرا ذليلا، يتوقع الموت في كل لحظة.