فهرس الكتاب

الصفحة 646 من 683

ولا تستطل هذا الفصل؛ فإن الحاجة إليه شديدةٌ لكلِّ أحدٍ، فَفَرْق بين حسن الظن بالله وبين الغرة؛ قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ} [البقرة: 218] ، فجعل هؤلاء أهل الرجاء لا الظالمين، وقال تعالى: {ثُمَّ إِن رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِن رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (110) } [النحل: 110] ، فأخبر سبحانه أنه بعد هذه الأشياء غفور رحيم لمن فعلها، فالعالم يضع الرجاء مواضعه، والجاهل المغتر يضعه في غير مواضعه" (1) ."

نماذج من أحوال السلف تظهر فيها عبودية الرجاء وحسن الظن بالله عز وجل:

(1) لما حضر معاذ بن جبل - رضي الله عنه - الموت قال:"انظروا أصبحنا؟ فأُتيَ فقيل: لم تصبح، فقال: انظروا أصبحنا؟ فأتى فقيل له: لم تصبح حتى أتى في بعض ذلك فقيل: قد أصبحت. قال: أعوذ بالله من ليلة صباحها إلى النار، مرحبًا بالموت مرحبًا، زائر مغب، حبيب جاء على فاقة، اللَّهم إني قد كنت أخافك فأنا اليوم أرجوك، اللَّهم إنك تعلم أني لم أكن أحب الدنيا وطول البقاء فيها لجري الأنهار، ولا لغرس الأشجار، ولكن لظمأ الهواجر ومكابدة الساعات، ومزاحمة العلماء بالرُّكب عند حلق الذكر" (2) .

(2) عن معاذ بن معاذ قال:"ما رأيت أحدًا أعظم رجاء لأهل الإسلام من ابن عون؛ لقد ذكر له الحجاج وأنا شاهد فقيل: إنهم يزعمون أنك مستغفر للحجاج فقال: ما لي لا أستعفر للحجاج من بين الناس؟ وما بيني وبينه؟ وما كنت أُبالي أن أستغفر له الساعة قال معاذ: وكان إذا ذكر عنده الرجل بعيب قال: إن الله تعالى رحيم" (3) .

(1) الجواب الكافي ص 36 - 37.

(2) حلية الأولياء 1/ 239.

(3) نفس المصدر 3/ 41.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت