فهرس الكتاب

الصفحة 425 من 683

وهدى النحل أن تتخذ من الجبال بيوتًا، ومن الشَّجَرِ ومن الأبنية، ثم تسلك سُبل ربها مذللة لها، لا تستعصي عليها، ثم تأوي إلى بيوتها، وهداها إلى طاعة يعسوبها واتباعه والائتمام به أين توجه بها، ثم هداها إلى بناء البيوت العجيبة الصّنعة، المحكمة البناء، ومن تأمَّل بعض هدايته المبثوثة في العالم شهد له بأنه الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم.

وانتقل من معرفة هذه الهداية إلى إثبات النبوة بأيسر نظر وأول وهلة وأحسن طريق وأخصرها وأبعدها من كل شبهة، فإن من لم يهمل هذه الحيوانات سدى ولم يتركها معطلة، بل هداها إلى هذه الهداية التي تعجز عقول العقلاء عنها، كيف يليقُ به أن يترك النوع الإنساني الذي هو خلاصة الوجود، الذي كرمه وفضله على كثير من خلقه مهملًا وسدىً معطلًا، لا يهديه إلى أقصى كمالاته وأفضل غاياته، بل يترُكُه معطلًا لا يأمره ولاينهاه ولا يُثيبُه ولا يعاقبه؟ وهل هذا إلا منافٍ لحكمته ونسبته له مما لا يليقُ بجلاله؟!

ولهذا أنكر ذلك على من زعمه، ونزه نفسه عنه، وبيَّن أنه يستحيلُ نسبةُ ذلك إليه، وأنه يتعالى عنه، فقال تعالى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ} [المؤمنون: 115 - 116] ، فنزه نفسَه عن هذا الحُسبان، فدلَّ على أنه مستقر بطلانه في الفطر السليمة والعقول المستقيمة، وهذا أحدُ ما يدُلُّ على إثبات المعاد بالعقل، وأنه مما تظاهر عليه العقل والشرع كما هو أصح الطريقين في ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت