الأنفال . فإن قلت: ما معنى الجمع بين ذكر الله والرسول في قوله: { قُلِ الانفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ } ؟ قلت: معناه أنّ حكمها مختص بالله ورسوله ، يأمر الله بقسمتها على ما تقتضيه حكمته ويمتثل الرسول أمر الله فيها ، وليس الأمر في قسمتها مفوّضًا إلى رأي أحد ، والمراد: أنّ الذين اقتضته حكمة الله وأمر به رسوله أن يواسي المقاتلة المشروط لهم التنفيل الشيوخ الذين كانوا عند الرايات ، فيقاسموهم على السوية ولا يستأثروا بما شرط لهم ، فإنهم إن فعلوا لم يؤمن أن يقدح ذلك فيما بين المسلمين من التحاب والتصافي { فَاتَّقُواْ اللَّهَ } في الاختلاف والتخاصم ، وكونوا متحدين متآخين في الله { وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ } وتآسوا وتساعدوا فيما رزقكم الله وتفضل به عليكم . وعن عطاء: كان الاصلاح بينهم أن دعاهم وقال: اقسموا غنائمكم بالعدل ، فقالوا: قد أكلنا وأنفقنا ، فقال: ليردّ بعضكم على بعض . فإن قلت: ما حقيقة قوله: { ذَاتَ بِيْنِكُمْ } ؟ قلت: أحوال بينكم ، يعني ما بينكم من الأحوال ، حتى تكون أحوال ألفة ومحبة واتفاق ، كقوله: { بِذَاتِ الصُّدُورِ } ( آل عمران: 199 ) وهي مضمراتها . لما كانت الأحوال ملابسة للبين قيل لها: ذات البين ، كقولهم: اسقني ذا إنائك ، يريدون ما في الإناء من الشراب . وقد جعل التقوى وإصلاح ذات البين وطاعة الله ورسوله من لوازم الإيمان وموجباته ، ليعلمهم أنّ كمال الإيمان موقوف على التوفر عليها . ومعنى قوله: { إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } إن كنتم كاملي الإيمان . واللام في قوله: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ } إشارة إليهم . أي إنما الكاملو الإيمان من صفتهم كيت وكيت والدليل عليه قوله: { أُوْلئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا } . { وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ } فزعت . وعن أمّ الدرداء: الوجل في القلب كاحتراق السعفة ، أما تجد له قشعرير ؟ قال: بلى ، قالت: فادع الله فإنّ الدعاء يذهبه . يعني فزعت لذكره استعظامًا له ، وتهيبًا من جلاله وعزّة سلطانه وبطشه بالعصاة وعقابه ، وهذا الذكر خلاف الذكر في قوله: { ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ } ( الزمر: 23 ) لأن ذلك ذكر رحمته ورأفته وثوابه . وقيل: هو الرجل يريد أن يظلم أو يهم بمعصية فيقال له: اتق الله فينزع . وقرىء ( وجلت ) ، بالفتح ، وهي لغة نحو ( وبق ) في ( وبق ) ، وفي قراءة عبد الله: ( فَرِقَتْ ) { زَادَتْهُمْ إِيمَانًا } ازدادوا بها يقينًا وطمأنينة في نفس . لأن تظاهر الأدلة أقوى للمدلول عليه وأثبت لقدمه ، وقد حمل على زيادة العمل . وعن أبي هريرة رضي الله عنه: ( عن النبي صلى الله عليه وسلم ) :