فهرس الكتاب

الصفحة 2198 من 2833

وامتد إليه . ومنه قوله تعالى: { فَاسْتَقِيمُواْ إِلَيْهِ } ( فصلت: 6 ) والمعنى: ثم دعاه داعي الحكمة إلى خلق السماء بعد خلق الأرض وما فيها من غير صارف يصرفه عن ذلك . قيل: كان عرشه قبل خلق السماوات والأرض على الماء ، فأخرج من الماء دخانًا ، فارتفع فوق الماء وعلا عليه ، فأيبس الماء فجعله أرضًا واحدة ، ثم فتقها فجعلها أرضين ، ثم خلق السماء من الدخان المرتفع . ومعنى أمر السماء والأرض بالإتيان وامتثالهما: أنه أراد تكوينهما فلما يمتنعا عليه ، ووجدتا كما أرادهما ، وكانتا في ذلك كالمأمور المطيع إذا ورد عليه فعل الأمر المطاع ، وهو من المجاز الذي يسمى التمثيل . ويجوز أن يكون تخييلًا ويبنى الأمر فيه على أن الله تعالى كلم السماء والأرض وقال لهما: ائتيا شئتما ذلك أو أبيتماه ، فقالتا: أتينا على الطوع لا على الكره . والغرض تصوير أثر قدرته في المقدورات لا غير ؛ من غير أن يحقق شيء من الخطاب والجواب . ونحوه قول القائل: قال الجدار للوتد: لم تشقني ؟ قال الوتد: اسأل من يدقني ، فلم يتركني ، ورائي الحجر الذي ورائي . فإن قلت: لم ذكر الأرض مع السماء وانتظمها في الأمر بالإتيان ، والأرض مخلوقة قبل السماء بيومين ؟ قلت: قد خلق جرم الأرض أو لا غير مدحوّة ، ثم دحاها بعد خلق السماء ، كما قال تعالى: { وَالاْرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا } ( النازعات: 30 ) فالمعنى: ائتيا على ما ينبغي أن تأتيا عليه من الشكل والوصف: ائتي يا أرض مدحوّة قرارًا ومهادًا لأهلك ، وائتي يا سماء مقببة سقفًا لهم . ومعنى الإتيان: الحصول والوقوع ، كما تقول: أتى عمله مرضيًا ، وجاء مقبولًا . ويجوز أن يكون المعنى: لتأت كل واحدة منكما صاحبتها الإتيان الذي أريده وتقتضيه الحكمة والتدبير: من كون الأرض قرارًا للسماء ، وكون السماء سقفًا للأرض . وتنصره قراءة من قرأ: ( آتيا ) وآتينا: من المؤاتاة وهي الموافقة: أي: لتوات كل واحدة أختها ولتوافقها . قالتا: واقفنا وساعدنا . ويحتمل وافقًا أمري ومشيئتي ولا تمتنعا . فإن قلت: ما معنى طوعًا أو كرهًا ؟ قلت: هو مثل للزوم وتأثير قدرته فيهما ، وأن امتناعهما من تأثير قدرته محال ؛ كما يقول الجبار لمن تحت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت