-"يارسول الله إنَّ لي موالي من يهود كثيرٌ سلاحهم، قويةٌ أنفُسهم، شديدة شوكتهم، وإني أبرؤ إلى الله ورسوله من ولاية يهود وأتولى الله ورسوله والمؤمنين"هذا ما نطق به لسان الولاءِ عند عبادة بن الصامت -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أما لسان النِّفاق عند ابن سلولٌ فنطق خيانةً ونفاقًا حيث قال:"إني رجلٌ أخاف الدوائر، لا أبرأ من ولاية موالي (يعني اليهود) [1] ."
لقد قرر عبادة - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أن ليس من الحريةِ في شيء أن يقسِّم المرؤ ولاءاته، أو أن يتخيَّر في نُصرته، أو أن يُشتِّت حبه ومناصرته"وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ والنَّبِىِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَآءَ وَلَِكنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ" [2] وهكذا حسم الله تعالى الأمر وقطع دابر المزايدات حين كذَّب إيمان من لم يوالِ المسلمين، وأعطى حبَّه وولاءه للكافرين.
ولاءُ الطَّريق
تلك كانت قضية الولاء العقدي. وقضيةٌ ولاءٍ آخر لابدَّ من التطرقُ إليه فهو لا يقلُّ أهميةً عن سابقه، فهذا الطريق لا بدَّ فيه من ولاءٍ من نوع آخر وهو الولاء لرايةِ الجهاد بغضِّ النظر عمن يحملها؛ مادام مؤمنًا بالله تعالى أمينًا عليها مؤديًا ما عليهِ من حقٍ لها، فما دامت الرايةُ واضحةُ الهدف والمَسْلَكِ والطَّريق فالولاء لها ضروي، والعمل تحتها محتَّم، ونصرتها من أوجب الواجبات.
أمَّا أن يكون الجهاد منضويًا تحت راياتٍ متعددةٍ وولااءات مختلفةٍ- وإن كانت صالحة- فهذا نوع من تشتيت الجهود، وتبديد الطَّاقات ربَّما وصل إلى حدِّ التَّحريم حين يؤدي إلى الضعفِ والتفرقةِ بين صفوف المجاهدين، [ولستُ هنا أدعوا إلى أن يكون الجميع تحت جماعةٍ واحدة وإنما أدعوا إلى أن يكون الجميع تحت قيادةٍ واحدة] .
لا بدَّ أن نؤمن بضرورة الوحدةِ وأهميتِها، وضرورة التنسيقِ وفعاليته، كما لا بدَّ أن نؤمن بأن الجهاد (مشروع أمة) لا مشروع فردٍ أو أفراد، أو جماعةٍ أو جماعات فالكل في أطار الأمة جزء، والأجزاءُ عندما تخرج عن إطار الدائرةِ تتبعثرُ ثم تضيع، والدائرة هنا الأمة والأجزاء هنا الجماعات الجهادية الصادقة.
(1) تفسير ابن كثير 2/ 70
(2) المائدة 81