في نفس هذا القاضي من الثقة العظيمة بهذا الدين ورجاله، وخاصة أصحاب رسول الله، والأربعة الخلفاء منهم ما يذهلك، وتضطر اضطرار الواجد بغلبة الوجد عليه أن تترحم عليه وتدعو له.
مما لا شك فيه أن صاحب العقل لا يمكن أن يبني عقله دون أساس من الخبر، فالخبر والنص هو الأساس، ثم يأتي العقل والنظر، ولذلك ترى القاضي في كتابه يأتي بالأخبار التي رواها أصحاب الدلائل الخبرية، مثل البيهقي، وكتابه في دلائل النبوة من أعظم الكتب وأوعبها، ومثل كتاب أبي نعيم، وهو تالي لكتاب البيهقي، رحمهما الله تعالى، ثم بعد الخبر يبني البناء العقلي المتين في هذا الباب.
كان أعظم ما يستدل به هؤلاء هو نصرة الله لنبيه على خصومه، وهذه حجة قرآنية جلية، يحاول البعض اليوم التقليل منها، بكون هذا القدر مشترك بين الأنبياء وغيرهم في تحقيق الغلبة والنصر على الخصوم وبناء الدول، وهذا جهل وغلط، وإن وقع به البعض من المناظرين للخصوم من الزنادقة والملحدين.
فحال النبي في هذا لا يشبهه أي حال رجل آخر حقق نصرًا أو بنى مصرًا، والقاضي يقدم لهذا الدليل مقدمة عظيمة مهمة، هي ما أشار إليها الصديق، حفظه الله بأنها صالحة للرد على الكثير مما يقوله أعداء الله.
(فأين في تاريخ البشرية رجل أكفر الدنيا كلها، وعادى كل من كان فيها، وضلل كل دين يدين به الناس يوم بعثته، وهو إذ ذاك فقير معدم وحيد، أجير معيل، ثم هو لا يعتصم بمخلوق، ولا يصوب ملكًا من ملوك عصره، ولا يلوذ بأحد من البشر، ثم هم من أحرص الناس على قتله، وطلب نفسه، وينذرهم أنه سينتصر عليه، وسيغلب كل ملوكهم وسلطانهم، وهو في كل هذا كالباعث لهم على نفسه، وكالحامل لهم على مكروهه، وهو يذكرهم بهذا، فسلم منهم مع هذه الأحوال) .
(هذه كلها كلمات القاضي، أسبغ الله عليه الرحمة) .