فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 420

فإن القلب إذا امتلأ من الدنيا والاهتمام بها، وضعف فيه هم الآخرة والاستعداد لها، لم يكن فيه محل لتدبر كلام الله عز وجل. فالتعلق بالآخرة وعدم الانشغال بالدنيا هو رأس كل خير.

وفي ذلك يقول الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى: «اعلم أن القلب إذا خلى من الاهتمام بالدنيا والتعلق بما فيها من مال أو رياسة أو صورة، وتعلقَ بالآخرة والاهتمام بها من تحصيل العُدَّة، والتأهب للقدوم على الله عز وجل: فذلك أول فتوحه، وتباشير فجره. فعند ذلك يتحرك قلبه لمعرفة ما يرضى به ربه منه، فيفعله ويتقرب به إليه، وما يسخطه منه فيجتنبه. وهذا عنوان صدق إرادته؛ فإن كل من أيقن بلقاء الله، وأنه سائله عن كلمتين - يُسأل عنهما الأولون والآخرون - ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟ لا بد أن يتنبه لطلب معرفة معبوده، والطريق الموصلة إليه. فإذا تمكن في ذلك فتح له باب الأنس بالخلوة والوحدة والأماكن الخالية التي تهدأ فيها الأصوات والحركات، فلا شيء أشوق إليه من ذلك؛ فإنها تجمع عليه قوى قلبه وإرادته، وتسد عليه الأبواب التي تفرق هَمَّه وتشتت قلبه؛ فيأنس بها ويستوحش من الخلق.

ثم يفتح له باب حلاوة العبادة بحيث لا يكاد يشبع منها، ويجد فيها من اللذة والراحة أضعاف ما كان يجده في لذة اللهو واللعب، ونيل الشهوات؛ بحيث إنه إذا دخل في الصلاة ودَّ أن لا يخرج منها. ثم يفتح له باب حلاوة استماع كلام الله؛ فلا يشبع منه. وإذا سمعه هدأ قلبه به كما يهدأ الصبي إذا أعطي ما هو شديد المحبة له. ثم يفتح له باب شهود عظمة الله المتكلم به وجلاله، وكمال نعوته وصفاته وحكمته، ومعاني خطابه، بحيث يستغرق قلبه في ذلك حتى يغيب فيه، ويحس بقلبه وقد دخل في عالم آخر غير ما الناس فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت