يتطلب الاستفهام نبرة عاليةً في الأداء بوصفه أسلوبًا من أساليب التعبير الَّتي تقتضي ان توجه إلى المخاطب في أغلب صور الاستعمال، والشَّاعر يكثر من اختيار الاستفهام طريقة في توصيل ما يريد لذلك لا يأتي الاستفهام حقيقيًا في شعره إذ يرد للتعبير عن إغراض مجازية مختلفة. والجواهري في ذلك لا يختلف عن غيره من كبار شعراء العربية في تناوله لهذا الأسلوب بصفاته العامة على الرَّغم من ميله إلى التصرف في بعض طرائق استعمال أدوات الاستفهام وميله إلى الخروج عن جانب من القواعد الَّتي سنّها النحويون القدماء في هذا الشأن.
والجواهري في اختياره هذا الأسلوب لا يختلف عن نهجه في استنفاد مختلف صور تركيب الجملة الاستفهامية مما ينم عن قدرة خارقة في تحويل عناصر الجملة ومظاهر التقديم والتأخير وغيرها مما يعتري بناء الجملة عند الشَّاعر لذلك حرص على تعدد أنماط الجملة وتنوعها فلم تأت صور استعمال الجملة واحدة في معظم مواضع الاستفهام في شعره.
ويميل الجواهري في أحيان كثيرة إلى ترديد الاستفهام فلا يأتي في بيت واحد لكنَّه يأتي عبر عدة أبيات تعبر عن فورة انفعالية تعتري نفس الشَّاعر [1] ، فينوع في أدوات الاستفهام أو يكرر الأداة نفسها في أبيات عدة ويحرص في بعض الأحيان على بناء جمل متماثلة في تراكيبها كقوله في قصيدة:"أخاودّي" [2] :
بِقلبي أم بنعْشِكَ حين مادوا ... ودمْعي أم رثاؤُكَ يُسْتَعادُ؟
ومن ضحكاتِك العِذباتِ صُبحًا ... أم الناعيك ليلًا يُسْتزادُ؟
ومِنْ إنسانِ عيني أم سِواهُ ... يُجلّلُ بيتَك الألِقَ السوادُ؟
ومِنْ ذكرى تَرِقُّ أم افتقادٍ ... يَشِقُّ تُؤَودني الكرَبُ الشِّدادُ
فهو يظهر توجعه و تحسره على فقد أقربائه ابتداء من افتتاح القصيدة فلا يكتفي ببيت واحد بل يردد بعض التعابير المتماثلة في تركيبها لكنها تتضمن صورًا مختلفة.
ويظهر الأسى والتحسر والأسف على فقده أحبائه ممّن شملهم الموت في القصيدة نفسها عبر فورة انفعالية جديدة يكتنفها التعجب والدهشة:
أَحِبَّايَ الذين جَرَوْا تِباعًا ... كأَنَّ الموت بينَهُمُ طِرادُ
أحقًَّا أنَّ مثواكم حفيرٌ ... نضائدُه لأرؤسكم وساد؟
أحقًَّا أنَّ أنفسَكُم هَباءٌ ... أحقًَّا أنَّ ألسُنَكم جَمادُ؟
أحقًَّا أنَّ أعينَكم تناستْ ... ـ خلافَ عيونِنا ـ كيف السُّهادُ؟
(1) ينظر الديوان: 2/ 294، 316، 357، 3/ 37، 79، 206، 208، 260، 274، 346، 4/ 50، 220، 224، 5/ 58،
233، 289 وغيرها.
(2) الديوان: 4/ 133.