الصفحة 3 من 13

عامة ومختلفة تنضم إلى النص لهدم دلالة ما وإقامة أخرى مقامها، وهذا يقتضي من الواقف أمام النص أن يكون ملمًا بما لا يحصى من النصوص وكلام العرب لكي يفهم دلالة لفظة واحدة؟ لعل هذا هو الذي جعل عمر بن الخطاب -رضي الله عنه -يقول: لا يقرأ القرآن إلا عالم باللغة العربية.

ونفهم مما سبق أن هذه المورفيمات لا تدل إلا مع القرينة، فليس لها جهة من جهات المعنى لا مجازًا ولا حقيقة، وينطبق هذا مع اللفظ أيضًا فضلًا عنها.

ففي قوله تعالى: (ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ (( 25) ، إن الله تعالى لا يوصف بالذهاب مع النور، فأولت بأنه يجوز أن الله تعالى وصف نفسه بالمجيء في قوله: (وَجَاءَ رَبُّكَ (( 26) وهذا ظاهر البعد، ويؤيدهُ أن باء التعدية بمعنى الهمزة قراءة"أذهب الله نورهم"وهذه المصطلحات الدلالية لحروف المعاني، كثيرًا ما تستبدل بمصطلحات أخرى، لأن الأولى لا تناسب السياقات القرآنية، فقد قالوا: إن من معاني الباء: الاستعانة، وهي داخلة على الفعل، بسم الله الرحمن الرحيم (27) .

وقالوا:"إن الباء هنا للسببية، وهي عندهم الداخلة على صالح للاستفادة به عن فاعل معداها مجازًا (28) نحو قوله تعالى: (فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ (( 29) فلو قصد إسناد الإخراج إلى الهاء لحسن، ولكنه مجاز، قال: ومنه: كتبت بالقلم وقطعت بالسكين. ومن هنا دل المورفيم على المجاز، والنحويون يعبرون عن هذه الباء بالاستعانة ولكنهم آثروا على ذلك التعبير بالسببية من أجل الأفعال المنسوبة إلى الله تعالى، لأن استعمال مصطلح السببية يجوز، أما استعمال مصطلح الاستعانة فلا يجوز على الله، وتعدد المصطلحات للمورفيم الواحد هو إتيانه في القرآن الكريم بهذه الدلالات التي يحددها السياق الذي يقلب الحرف بحرف آخر حسب اختلاف دلالة السياق إذا تعددت المعاني للحرف الواحد، فمن أخذ دلالة هذه الحروف على ظاهرها، قال: نصف الله بما وصف به نفسه، وهو عندي هروب من التأويل، ومن أول أعطاها دلالة أخرى حسب الاستعمال وهو الأقرب والأصوب."

وقال الزمخشري في تفسيره لهذه الآية:"قلت: المعنى أنه جعل الماء سببًا في خروج الثمرات ومادة لها كماء الفحل في خلق الولد، وهو قادر على أن ينشئ الأجناس كلها بلا أسباب ولا مواد ... ولكن له في ذلك حِكَم ودواع ... وعبر وأفكار صالحة ... وسُكون إلى عظيم قدرته وغرائب حكمته" (30) .

وقد تعرض الزمخشري لدلالة"مِنْ"في قوله تعالى:"... من الثمرات"واعتبر دلالتها على التبعيض، ومن القرائن المنفصلة عن النص، والتي تصرف دلالتها إلى التبعيض قوله تعالى: (لَهُ فِيْهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ (( 31) وقوله تعالى: (فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ (( 32) ، ولذا قيل إن اللفظ قد يحدث له مع التركيب حكم لم يكن قبل ذلك، وهذا الحكم الدلالي، تتحكم فيه القرائن الشرعية والعقلية، والدليل على ذلك أن اعتبار اللفظ أو الحرف على ما وضع له أَوَّلًا، لا يسعفنا في كثير من النصوص، فلا بد والحال هذه أن نلجأ إلى ما يسمى عند المحدثين بالاستبدال الدلالي، وأطلق النحاة القدامى عليه المجاوزة، ولعلهم يعنون بها المجاز، فتكو ن"مِنْ"بمعنى"عن"كقوله تعالى: (أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ (( 33) أي عن جوع والجوع لا يطعم منه، وقوله تعالى: (فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللهِ (( 34) ، أي عن ذكر الله، ولذا قرئ: عن ذكر الله، وهذا دليل على أن القراءات في غالبها، وهذا في الدلالة طبعًا، لم تخرج عن الدلالة النحوية، قال الزمخشري: "ما الفرق بين"مِنْ"وَ"عَنْ"في هذا؟ قلت: إذا قلت: قسا قلبه من ذكر الله فالمعنى ما ذكرت من أن القسوة من أجل الذكر وبسببه، وإذا قلت عن ذكر الله، فالمعنى غلظ عن قبول الذكر وجفا عنه، ونظيره: سقاه من العيمة أي من أجل عطشه، وسقاه عن العيمة، إذا أرواه حتى أبعده عن العطش" (35) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت