فعلى هذا يكون التعريف للشيعة في الصدر الأول: أنهم الذين يقدمون عليًّا على عثمان فقط، وهم وإن سموا بالشيعة فهم من أهل السنة؛ لأن مسألة المفاضلة بين عثمان وعليٍّ ليست من الأصول التي يضلل المخالف فيها [1] .
ولهذا ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن: «الشيعة الأولى أصحاب علي - رضي الله عنه - لم يكونوا يرتابون في تقديم أبي بكر وعمر عليه» [2] .
وقد منع شريك بن عبد الله - وهو ممن يوصف بالتشيع - إطلاق اسم التشيع على من يفضل عليًّا على أبي بكر وعمر؛ وذلك لمخالفته لما تواتر عن عليٍّ في ذلك.
ولما وقع الخلاف بين علي ومعاوية - رضي الله عنهما - لم يكن الخلاف بينهما في أصل من أصول الدين، وكان لفظ «الشيعة» يستعمل بمعناه اللغوي (الأنصار والأتباع) ، كما قال حكيم بن أفلح - رضي الله عنه: «لأني نهيتها - يعني عائشة - أن تقول في هاتين الشيعتين شيئًا» [3] . وقد أورد شيخ الإسلام ابن تيمية هذا النص، ليأخذ منه دلالة تاريخية على عدم اختصاص عليٍّ - رضي الله عنه - باسم الشيعة في ذلك الوقت [4] ، ويدل على ذلك أيضًا وثيقة التحكيم [5] .
ولذا قرر المحققون من أهل العلم أن الشيعة الأولى كانوا على الحق في موقفهم من القرآن والصحابة والإمامة، وسائر أصول الدين، ولم يؤثر عنهم ما ينكر لا في تنزيل القرآن ولا في تأويله، بل كانوا بهدي القرآن مهتدين، وبسنته - صلى الله عليه وسلم - متمسكين، وبصحابة رسول الله مقتدين.
(1) المسألة التي يضلل فيها مسألة الخلافة، وقد كان بعض أهل السنة اختلفوا في عثمان وعلي - رضي الله عنهما - بعد اتفاقهم على تقديم أبي بكر وعمر - أيهما أفضل: فقدم قوم عثمان، وسكتوا، أو ربعوا بعلي، وقدم قوم عليًّا، وقوم توقفوا، لكن استقر أمر أهل السنة على تقديم عثمان.
انظر: «مجموعة فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية» (3/ 153) ، «فتح الباري» (7/ 34) .
(2) «منهاج السنة» (2/ 72) (تحقيق د. محمد رشاد سالم) .
(3) هذا جزء من حديث طويل في صحيح مسلم في باب جامع صلاة الليل ومن نام عنه أو مرض (2/ 168 - 170) .
(4) انظر: «منهاج السنة» (2/ 67) .
(5) انظر: «تاريخ الطبري» (5/ 53 - 54) ، «مجموعة الوثائق السياسية» محمد حميد الله (ص 281 - 282) .