وأرى أن القارئ بحاجة إلى تأصيل في بعض قضايا الجرح والتعديل والمعرفة بأحوال الرجال؛ ليخرج من هذه المعمعة بفهم صحيح لما نتكلم عليه.
فأقول للأخ القارئ: اعلم - رعاك الله - بأن الرواة يتفقون أحيانًا في أسمائهم وأسماء آبائهم، وربما فيما هو أكثر من ذلك؛ كاسم الجد، والنسبة، والكنية، والطبقة - أي الزمن الذي عاشا فيه -، وبعض الشيوخ والتلاميذ، فيلتبس الأمر أحيانًا حتى على كبار الحفاظ فيظن الاثنين واحدًا، أو العكس؛ فيجعل الواحد اثنين.
ولأهمية هذا الأمر ألّف طائفة من العلماء في هذا بعض المصنفات، وبعضهم أدرجه في ثنايا بعض مصنفاته، ومن أهم ما وصل إلينا كتابان: أحدهما:"الموضح لأوهام الجمع والتفريق"، والآخر:"المتفق والمفترق"، كلاهما للخطيب البغدادي.
أما الأول، فإن الخطيب البغدادي اعتنى فيه بالأوهام التي يرى أنها وقعت للبخاري في"تاريخه الكبير"، وزاد فيه ما وقع لغير البخاري، وقد أوضح منهجه في هذا الكتاب بقوله (1/ 2 - 5) :"قد أوردنا في هذا الكتاب ذكر جماعة كثيرة من الرواة انتهت إلينا تسمية كل واحد منهم وكنيته والأمور التي يعزى إليها؛ كنسبته على وجوه مختلفة في روايات مفترقة ذكر في بعضها حقيقة اسمه ونسبه، واقتصر في البعض على شهرة كنيته أو لقبه، وغيّر في موضع اسمه واسم أبيه وموّه ذلك بنوع من"
أنواع التمويه، ومعلوم أن بعض من انتهت إليه تلك الروايات فوقوع الخطأ في جمعها وتفريقها غير مأمون عليه؛ ولما كان الأمر على ما ذكرته بعثني ذلك على أن بينته وشرحته ..."، ثم روى بسنده عن أبي الحسن الدارقطني قال:"ذكر البخاري في كتاب"التاريخ"في باب إسماعيل بن سعيد البجلي، روى عن حبة، حدث عنه بدر بن خليل. وذكر بعده: إسماعيل بن سعيد ابن عزرة، روى عن جندب وعن حبة، حدث عنه يونس بن أبي إسحاق. قال أبو الحسن: وهو رجل واحد؛ هو إسماعيل بن سعيد ابن عزرة البجلي الكوفي، يكنى: أبا السابغة، حدث عنه أبو الخليل بدر بن الخليل ويونس بن أبي إسحاق وشريك بن عبدالله، حدث عن جندب عن علي قصة الخوارج والمخدج، وعن حبة أيضًا ..."."
ثم قال الخطيب رحمه الله:" في كتاب"التاريخ"الذي صنفه أبو عبدالله محمد بن إسماعيل البخاري نظائر كثيرة لما ذكره أبو الحسن الدارقطني عنه؛ من جعله الاثنين"