فلماذا أخذت ما يخدم هواك وتركت ما يوضح الحقيقة ويجليها؟ ووضع النقط لا يعفيك من عدم ذكرك للنص كاملًا؛ لأن هذا إنما يكون فيما إذا كان الكلام المحذوف لا يؤثر على الكلام المنقول، أما إن كان يؤثر فليس من الأمانة العلمية حذفه، والقراء يطالبونك بذكر الحقيقة كاملة، وليس مهمًّا أن أقتنع بما تقول، أو تقتنع بما أقول، ولكن اعرض ما عندك بأمانة، وأعرض ما عندي بأمانة، وللناس عقول يميزون بها بين الصحيح وضده، وليسمح لي القراء بنقل النص كاملًا، ثم ننظر بعد ذلك في الكلام المحذوف هل له أثر على استدلالك أو لا؟
قال عبد الله بن الإمام أحمد في"العلل ومعرفة الرجال" (2/ 56 رقم 1538 أ) :
"سمعته يقول: كان يقدم علينا من البصرة رجل يقال له: الهيثم بن عبدالغفار الطائي يحدثنا عن همام، عن قتادة رأيه، وعن رجل يقال له: الربيع بن حبيب، عن ضمام، عن جابر بن زيد، وعن رجاء بن أبي سلمة أحاديث، وعن سعيد بن عبدالعزيز، وكنا معجبين به، فحدثنا بشيء أنكرته وارتبت به، ثم لقيته بعد، فقال لي: ذاك الحديث اتركه - أَوْ دَعْه -، فقدمت على عبدالرحمن بن مهدي، فعرضت عليه بعض حديثه، فقال: هذا رجل كذاب - أو قال: غير ثقة -. قال أبي: ولقيت الأقرع بمكة، فذكرت له بعض هذه الأحاديث، فقال: هذا حديث البُرِّي عن قتادة - يعني أحاديث همام - قلبها. قال: فخرقت حديثه وتركناه بعد".
ثم علق محقق"العلل"على آخر النص قائلًا:"انظر النص (1492) "، وبالرجوع إلى النص (1492 ج 2/ص 42) نجد عبدالله بن أحمد يحكي عن أبيه قوله:"وعرضت على ابن مهدي أحاديث الهيثم بن عبدالغفار الطائي عن همام وغيره، فقال: هذا يضع الحديث، وسألت الأقرع فذكر مثله أو نحوه. قال أبي: وكان الأقرع من أصحاب الحديث".
وهذا النص الآخر أحسب أنك أيها الظافر اطلعت عليه؛ لأن المحقق أحالك عليه، وعلى فرض أنك لم تطلع عليه؛ فالنص الذي حذفته كافٍ فيما ذكرته لك.
والمهم أن كلا النصين يدلان على أن الهيثم بن عبدالغفار الطائي هذا كذاب يضع الحديث، فجميع ما يرويه لا يوثق به، وقد استنكر عليه الأئمة روايته عن الربيع بن حبيب وغيره، ومن عانى صنعة الحديث يعلم أن الأئمة لا يعترفون بوجود الراوي