الصفحة 4 من 15

وأجازه عدد من المفسرين (32) ، مستدلين عليه بقوله تعالى: (وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خالدين، وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ / الزمر: 73 - 74) ، فلم يؤت لـ (إذا) بجواب في طول الكلام؛ للاستغناء عنه، ومثله قول الشاعر الهذلي (33) :

حتى إذا أسلكوهم في قتائدة ... شلا كما تطرد الجمالة الشردا (34)

فحذف الشاعر جواب (إذا) ، ولم يأت به لأن هذا البيت آخر القصيدة.

ثالثا: أن تحمل الآية الكريمة على التقديم والتأخير، فيكون تقديرها: وإذا أمرنا مترفي قرية بالطاعة فعصوا واستحقوا العذاب أردنا إهلاكهم.

واستدل أصحاب هذا القول على صحته بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِق / المائدة: من الآية 6) ، والطهارة إنما تجب قبل القيام إلى الصلاة، وقوله تعالى: (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ / النساء: من الآية 102) ، وقيام الطائفة معه يجب أن يكون قبل إقامة الصلاة؛ لأن إقامتها الإتيان بجميعها على الكمال (35) .

وأنكره الآلوسي مستدلا عليه بظاهر النص القرآني الذي يقتضي أن لا تقديم ولا تأخير فيه (36) .

رابعا: ذهب آخرون إلى أن الإرادة في الآية الكريمة مجازا واتساعا وتنبيها على المعلوم من حال القوم وعاقبة أمرهم، وأنهم متى أمروا فسقوا وخالفوا، ويجري ذكر الإرادة هاهنا مجرى قولهم: إذا أراد التاجر أن يفتقر أتته النوائب من كل وجهة، وجاءه الخسران من كل جانب، وقولهم: إذا أراد العليل أن يموت خلط في مأكله، وتسرع إلى كل ما تتوق إليه نفسه، ومعلوم أن التاجر لم يرد في الحقيقة شيئا، ولا العليل أيضا، لكن لما كان المعلوم من حال هذا الخسران، وذاك الهلاك حسن هذا الكلام واستعمل ذكر الإرادة لهذا الوجه.

وقد أشار إلى هذا القول السيد المرتضى (ت 436 هـ) ، ذاهبا إلى أن كلام العرب (( وحي وإشارات واستعارات ومجازات، ولهذا الحال كان كلامهم في المرتبة العليا من الفصاحة، فإن الكلام متى خلا من الاستعارات وجرى كله على الحقيقة كان بعيدا من الفصاحة بريا من البلاغة وكلام الله تعالى أفصح الكلام ) ) (37) ، وأجازه أيضا الطوسي (38) . والطبرسي (39) .

خامسا: أن يكون معنى قوله (أمرنا مترفيها) : أكثرنا مترفيها،، واستدل أصحاب هذا القول على صحته بقول العرب: (أمر بنو فلان) ، أي: كثر بنو فلان (40) ، وقول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) : (خير مال المرء له مهرة مأمورة، أو سكة مأبورة) (41) ، أي: كثيرة النتاج والنسل، وبقول أبي سفيان لدى خروجه من لدن قيصر: (لقد أمر أمر ابن أبي كبشة إنه ليخافه بنو الأصفر ) ) (42) ، وأيده أبو عبيدة (43) بقول لبيد (44) :

كل بني حرة مصيرهم ... قل وإن أكثرت من العدد

إن يغبطوا يهبطوا وإن أمروا ... يوما يصيروا للهلك والنكد

سادسا: اختار الزمخشري أن يكون التقدير: أمرناهم بالفسق ففسقوا إلا أن هذا الأمر مجاز؛ (( لأن حقيقة أمرهم بالفسق أن يقول لهم: افسقوا، وهذا لا يكون فبقي أن يكون مجازا، ووجه المجاز أنه صب عليهم النعمة صبا فجعلوها ذريعة إلى المعاصي واتباع الشهوات، فكأنهم مأمورون بذلك لتسبب إيلاء النعمة فيه، وإنما خولهم إياها ليشكروا ويعملوا فيها الخير ويتمكنوا من الإحسان والبر كما خلقهم أصحاء أقوياء، وأقدرهم على الخير والشر، وطلب منهم إيثار الطاعة على المعصية، فآثروا الفسوق، فلما فسقوا حق عليهم القول، وهو كلمة العذاب، فدمرهم. ) ) (45) .

فكأن الزمخشري يشبه حالهم في تقلبهم في النعم مع عصيانهم وبطرهم بحال من أمر بذلك، فحمل الأمر على المجاز.

واستحسن الآلوسي تخريجه النص القرآني، لكنه أشار إلى أن عدم ارتضائه له بسبب (( ما روته الثقات عن ترجمان القرآن وغيره من تقدير(الطاعة) ، مع ظهور الدليل ومساعدة مقام الزجر عن الضلال والحث على الاهتداء لا وجه له، كما لا يخفى على من له قلب. )) (46) .

وتابع الزمخشري من المفسرين المحدثين السيد الطباطبائي، مستدلا على صحته بأمرين (47) :

أحدهما: أن قولنا: أمرته ففعل، وأمرته ففسق، ظاهره بعين ما فرع عليه.

الآخر: عدم ظهور وجه لتعلق الأمر بالمترفين، مع كون الفسق لجميع أهل القرية، وإلا لم يهلكوا.

لكن السيد الطباطبائي أنكر على الزمخشري رده الوجه الأول المروي عن ابن عباس وسعيد بن جبير (رضي الله عنهما) (48) .

سابعا: يبدو أن القرطبي يحمل النص على ظاهره، إذ يرى أن الله تعالى لا يقبح منه ذلك الأمر، ولكنه وعد منه ولا خلف لوعده (( فإذا أراد إهلاك قرية مع تحقيق وعده على ما قاله تعالى أمر مترفيها بالفسق والظلم فيها، فحق عليها القول بالتدمير ) ) (49) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت