أصاب عدوه وغلبه وهزمه، ولذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأنهم حدثاء عهد بكفر، ولما دخلوا الإيمان وقاتلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بقي لديهم في أذهانهم شيء مما كان عليه أهل الجاهلية، فقالوا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (لقد قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنوا إسرائيل لموسى: أجعل لنا إله كما لهم آلهة.
وأراد بذلك المصنف عليه رحمة الله تعالى أن يشير إلى معنيين:
1 -المعنى الأول: أن الإنسان مهما تلفَّظ بلفظ ... العبرة بفعله وحقيقة ما ذهب إليه، ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام شبه قولهم بما قال بنوا إسرائيل أنهم أرادوا آلهة، مع أنهم قالوا: اجعل لنا ذات أنوا ط كما لهم ذات أنواط. فجعل النبي عليه الصلاة والسلام كلمتهم هذه كأنهم أرادوا آلهة، إذًا العبرة ليست بالألفاظ التي يفعلها الناس حول معبوديهم ونحو ذلك، وإنما العبرة بالحقائق التي جاءت بمخالفة الشرع، فإن كانت شركا فتكون شركا تخرج الإنسان من ملته، وإنما عذرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك لأنهم حدثاء عهد بكفر، كما جاء في الخبر في صحيح الإمام مسلم عليه رحمة الله ... قال [1] : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن حدثاء عهد بكفر ... ، وأرادوا بذلك أن يُسبِّبُوا بحجتهم وعذرهم عند الله سبحانه وتعالى في طلبهم ذلك.
وفي هذا: هل يقال أن الإنسان إذا وقع في شيء من المكفرات، أو في قول شيء من الكفريات، هل يكون هذا كفرا له يخرجه من الملة أو ثمة أعذار؟ وهذا المقصد الثاني الذي أراد المصنف عليه رحمة الله تعالى في إيراده هنا.
فالمعنى الأول هو أن بعض الألفاظ وبعض الأقوال وكذلك بعض الأفعال التي يفعلها الناس هي من الشرك الأكبر وإن ظنوا أنها ليست شركا أكبر، كما قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: اجعل لنا ذات أنواط - كي يعلقون بها أسلحتهم - كما لهم ذات أنواط. فجعل النبي عليه الصلاة والسلام قولهم ذلك كشرك بني إسرائيل، فتكون هذه الشجرة آية في الحقيقة ... (اجعل لنا إلها كما لهم آلهة) فعبدوا تلك الشجرة من دون الله سبحانه وتعالى، فهل كفر الصحابة بقولهم ذلك أم لا؟ لم يكفروا بالاتفاق، لم؟ لأنهم حدثاء عهد بكفر.
وهل كل من وقع في الكفر يكون معذورا حتى تقوم عليه الحجة، وإن كان أصله من أهل الإيمان، وداخل في الإسلام أم لا؟ يقال: بالنظر إلى النصوص من الكتاب والسنة، أن من وقع في شيء من الكفر لا بد من النظر إلى ثلاثة أحوال:
1 -الحالة الأولى: النظر إلى ما أشرك الإنسان أو ما وقع فيه من مخالفة شرعية، سواء في الأصول أو في الفروع.
(1) القائل هو الصحابي: أبو واقد الليثي عليه رضوان الله تعالى.