سبحانه وتعالى فإنه لا ينصرف إلا للشرك الأكبر، إلا لقرينة ظاهرة تصرفه من الشرك الأكبر إلى الشرك الأصغر، فإنه إذا قلنا أن الشرك إذا أطلق في كلام الله عز وجل فإنه يشمل الشرك الأصغر والشرك الأكبر فيلزم من هذا أن من أشرك مع الله عز وجل شركا أصغر فإن الله عز وجل يكون قد حرم عليه الجنة، ولا قائل بذلك.
والذي عليه إجماع العلماء أن الشرك الأصغر يكون مع الموازنة، ولا يمحو ما دونه من الأعمال، وكذلك فإن الشرك الأصغر يدخل عند الموازنة يوم القيامة، فإذا رجحت سيئات الإنسان كان من أهل النار حتى يُلاقي الله عز وجل إن لم يغفر له، وإن رجحت كفة حسناته فإنه حينئذ يكون من أهل الجنة.
إذًا ... فيكون في الموازنة إن لم يغفره الله سبحانه وتعالى على قول أنه يدخل في المغفرة.
ومن قال وعلَّق المشيئة في زيادة الحسنات وزيادة السيئات قد اختلف تنظيرهم لهذا المسألة، فمنهم من قال أن الله عز وجل يغفر للإنسان ويرحمه ويدخله الجنة وإن كانت سيئاته أكثر من حسناته رحمة منه وفضلا، ومنهم من قال أن الله عز وجل إذا غلبت سيئات الإنسان على حسناته أخذ الله عز وجل عهدا أن يدخله النار وينقيه من ذنوبه ثم يدخله الجنة، وأما المغفرة التي تطرأ على سيئات الإنسان، فإنها بسبب عمله الصالح الذي ترجَّح، وهذا قد يكون فيه شيء من الخلاف اللفظي، لكن الذي عليه ظاهر النصوص أن الله عز وجل يمحو عن الإنسان إن شاء سيئاته، حتى وإن غلبت عليه ثم يدخله الله عز وجل الجنة، ولذلك قد أشار كثير من العلماء عليهم رحمة الله تعالى إلى هذه المسألة، ومن أبسط من توسع فيها ابن القيم عليه رحمة الله تعالى في بعض رسائله، وأشار إليها بالإجمال شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله تعالى في جملة من رسائله.
والشرك على ضربين، ومنهم من حمله على ثلاثة أضرب:
1 -شرك أكبر.
2 -وشرك أصغر.
والشرك الأكبر هو المخرج من الملة، وهو الذي قصده المصنف عليه رحمة الله تعالى وتعمده بإيراده في مصنفه هذا، وأما الشرك الأصغر فإنه لا ورود له في كتابه هذا، لأنه لا يكفر الإنسان به ولا يخرجه من الملة.
3 -وأما النوع الثالث - ومنهم من جعله قسما داخلا في النوع الثاني: وهو الشرك الخفي، وهو داخل فيه، ويدخل في هذا الرياء ودقيق الطيرة والتشاؤم ونحو ذلك ... نعم:
حتى يتبين له تأويل القرآن فلينظر إلى سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - وأحوال العرب في زمانه وما ذكره الأزرقي وغيره في أخبار مكة من العلماء