والشرك مأخوذ من التشريك، وهو أن يشرك مع الله عز وجل غيره، وهو داخل في كل ما يخرج الإنسان به من الملة ... يسمى شركا، سواء كان شرك هوى أو غير ذلك، وجاء في بعض الاصطلاحات الشرعية تسمية المعاصي شركا، لكنها في اصطلاح العلماء و في تقرير كثير من المسائل لا يمسونها شركا، لأنه غلب استعمال الشرك على ما يخرج الإنسان من الملة بالجملة، وإن كان فيه شرك أصغر لا يخرج الإنسان من الملة.
وهو أعظم ما عصي الله جل وعلا به، ولذلك يقول الله جل وعلا: (الذين آمنوا ولم يلبسوا بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون) لما نزلت هذه الآية كما روى البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن مسعود عليه رضوان الله تعالى: (شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: أينا لم يظلم نفسه؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: إنه ليس كما تظنون، إن الظلم هو الشرك، ألم تسمعوا قول العبد الصالح لابنه: يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم) فالشرك أعظم ما عصي الله عز وجل به، لأنه تسوية للخالق بالمخلوق، وكذلك منازعة الله عز وجل في حقه، ومناهضته سبحانه وتعالى فيما هو من خصوصياته، فمن نزع شيئا من حقوق الله سبحانه وتعالى وجعله في المخلوقين، فإن هذا من الشرك، يكون شركا أكبر أصالة، وقد يكون من الشرك الأصغر إذا كان تعلقا في الأسباب.
ولذلك كان الشرك الأصغر من كبائر الذنوب، بل كان بين منزلتين: بين الكفر وبين كبائر الذنوب، وقد نص على هذا غير واحد من العلماء، وهذا بالإجمال وعند التقرير، وأما عند التفصيل: فإنه قد يقع في بعض الذنوب من كبائر الذنوب مما هو يكون أكبر من الشرك الأصغر، والشرك الأصغر قد نص ابن القيم عليه رحمة الله تعالى كما في كتابه إعلام الموقعين: أنه في منزلة بين الشرك الأكبر والكفر المخرج من الملة وبين الكبائر، وهذا لا يطرد على جميع أجزائه، فلا يقال أن كل من حلف بغير الله أنه أعظم عند الله عز وجل من قتل الأنفس كلها ونحو ذلك ... لكنه بالجملة، لأن الله عز وجل قد أخبر أنه أعظم ما يُعصى الله عز وجل به الإشراك، ولذلك قال الله جل وعلا في كتابه العظيم: (إن الشرك لظلم عظيم) وقال الله سبحانه وتعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) .
قد اختلف العلماء عليهم رحمة الله تعالى في دخول المغفرة هنا هل تدخل في الشرك الأصغر أم لا؟ هي لا تدخل في الشرك الأكبر قطعا، وهذا محل إجماع السلف والخلف ... بل عليه عامة المسلمين، على أن من أشرك مع الله عز وجل شيئا قد حبط عمله، ولا يدخل في الموازنة أصلا، وأنه ليس بعد الكفر ذنب، واختلفوا في الشرك الأصغر هل يغفره الله عز وجل لصاحبه إن لم يتب منه ويكون تحت المشيئة، وهل تكفره سائر المكفرات من الأعمال الصالحة التي يمحو الله عز وجل بها السيئات كما قال عز وجل: (وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات) على خلاف عند العلماء، والصواب والمتقرر في هذا وهو ظاهر النص والذي عليه ظاهر كلام السلف عليهم رحمة الله تعالى: أن الشرك الأصغر لا يدخل تحت المغفرة، وذلك لعموم الأدلة، ونازع في هذا بعض الأئمة عليهم رحمة الله تعالى كابن سعدي عليه رحمة الله تعالى في بعض رسائله، فإنه قال أن الشرك الأصغر يدخل تحت المغفرة، وذلك أن الله عز وجل قال: (ومن يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة) قالوا فإن الشرك إذا أطلق في كلام الله