يؤمنون بالآخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم يحافظون) [1] ، وقوله تعالى (وأمرنا لنسلم لرب العالمين وأن أقيموا الصلاة واتقوه) [2] ، وخصائص الصلاة التي تميزها عن عيرها من العبادات كثيرة جدا فكيف تقاس بغيرها من الأعمال. [3]
فالصلاة شرط لصحة الإيمان والانتفاع بالشهادتين لما قدمنا من الأدلة والتي تدل على أنه لا يقبل من العبد شيء من أعماله إلا بفعل الصلاة، فهي مفتاح ديوانه ورأس ماله، وهي عمود الإسلام وسائر الشرائع كالأطناب والأوتاد، وإذا لم يكن للفسطاط عمود لم ينتفع بشيء من أجزائه وإن صحت، فقبول سائر الأعمال موقوف على قبول الصلاة، فإذا ردت ردت عليه سائر الأعمال وقد تقدم الدليل على ذلك، وإذا ضيعها وخسرها خسر أعماله كلها، وقد وردت الإشارة إلى هذا في قوله صلى الله عليه وسلم (فإن ضيعها فهو لما سواها أضيع) ، وفي قوله صلى الله عليه وسلم (إنها أول ما ينظر فيه من أعماله) وقد سبق، ولذلك فقد ورد في الأدلة التي ذكرناها أن من تركها فهو كافر صراحة، وأنه من أهل النار وأن منزلته هي نفس منزلة رءوس الكفر فرعون وهامان وأبي بن خلف، وأنها العهد الذي بين أهل الكفر والإيمان، وأنها حد فاصل بين الإيمان والكفر، وأن أخوة الدين معلقة عليها إلى غير ذلك من الأوجه التي ذكرناها سابقا والتي تدل على أن إقامة الصلاة شرط في صحة الإيمان.
وقال المانعون من تكفير تارك الصلاة تكاسلا: إن من أصول أهل السنة أنهم لا يكفرون أحدا من أهل السنة بذنب ولا يخرجونه من الإسلام بعمل بخلاف ما عليه الخوارج وإنما الكفر بالاعتقادات، وقد روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (ثلاث من أصل الإيمان الكف عمن قال لا اله إلا الله لا يكفره بذنب ولا يخرجه من الإسلام بعمل، والجهاد ماض منذ بعثني الله إلى إن تقاتل أمتي الدجال لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل والإيمان بالأقدار) ، وتارك الصلاة مع إقراره بالوجوب صحيح الاعتقاد فلا يكفر.
وهذا غلط فاضح وتجن على سلف هذه الأمة وأئمتها فإنهم لم يقصدوا بكلامهم هذا مطلق الذنوب والأعمال فلم يقولوا لا يكفر أهل القبلة بكل ذنب ولا يخرج من الإسلام بأي عمل، وأن ترك مطلق العمل لا يخرج من الملة، بل إن هذا المعنى مروي عن طائفة من أهل البدع والضلال [4]
(1) سورة الأنعام، الآية: 92.
(2) سورة الأنعام، الآية: 71ـ 72.
(3) مختصر من شرح العمدة لابن تيمية ج4/ 85: 91.
(4) ذكر ابن تيمية رحمه الله تعالى نقلا عن الأشعري رحمه الله في مقالات الإسلاميين أنه قال: اختلفت المرجئة في الإيمان ما هو؟ وهم اثنتا عشرة فرقة:
* الفرقة الأولى: يزعمون أن الإيمان بالله هو المعرفة بالله وبرسوله وبجميع ما جاء من عند الله فقط، وأن ما سوى المعرفة من الإقرار باللسان والخضوع بالقلب والمحبة لله ولرسوله والتعظيم لهما والخوف والعمل بالجوارح فليس بإيمان، وزعموا أن الكفر بالله هو الجهل به فقط، وهذا قول يُحكى عن الجهم بن صفوان، وزعمت الجهمية أن الإنسان إذا أتى بالمعرفة ثم جحد بلسانه أنه لا يكفر بجحده، وأن الإيمان لا يتبعض ولا يتفاضل أهله فيه، وأن الإيمان والكفر لا يكونان إلا في القلب دون الجوارح.
* الفرقة الثانية: يزعمون أن الإيمان بالله هو المعرفة فقط والكفر هو الجهل به فقط، فلا إيمان بالله إلا المعرفة به، ولا كفر بالله إلا الجهل به، وأن قول القائل إن الله ثالث ثلاثة ليس بكفر، ولكنه لا يظهر إلا من كافر، وذلك أن الله كفر من قال ذلك وأجمع المسلمون أنه لا يقوله إلا كافر، وزعموا أن معرفة الله هي المحبة له وهي الخضوع لله، وزعموا أيضا أن الصلاة ليست عبادة لله وأنه لا عبادة إلا بالإيمان به، والإيمان عندهم لا يزيد ولا ينقص وهو خصلة واحدة وكذلك الكفر، والقائل بهذا القول أبو الحسين الصالحي.
* الفرقة الثالثة: يزعمون أن الإيمان بالله هو المعرفة به والخضوع له، وهو ترك الاستكبار عليه والمحبة لله، فمن اجتمعت فيه هذه الخصال فهو مؤمن، وزعموا أن إبليس كان عارفا بالله غير أنه كفر باستكباره على الله، وهذا قول قوم من أصحاب يونس السمري ... إلى أن قال: ...
* الفرقة العاشرة أصحاب أبي معاذ التومني: يزعمون أن الإيمان ترك ما عَظُم من الكبائر، وهو اسم لخصال إذا تركها أو ترك خصلة منها كان كافرًا، فتلك الخصلة التي يكفر بتركها إيمان، وتارك الفرائض مثل الصلاة والصيام والحج على الجحود بها والرد لها والاستخفاف بها كافر بالله، وإنما كفر للاستخفاف والرد والجحود، وإن تركها غير مستحل لتركها متشاغلا مسوفا يقول الساعة أصلي وإذا فرغت من لهوي وعملي فليس بكافر وإن كان يصلي يوما ووقتا من الأوقات ولكن نفسقه، وكان أبو معاذ يقول: من قتل نبيًا أو لطمه كفر، وليس ذلك من أجل اللطمة كفر ولكن من أجل الاستخفاف والعداوة والبغض له.
* الفرقة الحادية عشرة أصحاب بشر المريسي: يزعمون أن الإيمان هو التصديق، لأن الإيمان في اللغة هو التصديق وما ليس بتصديقٍ فليس بإيمان، ويزعم أن التصديق يكون بالقلب واللسان جميعا، وإلى هذا القول كان يذهب ابن الرواندي، وكان يزعم أن الكفر هو الجحد والإنكار والستر والتغطية، وليس يجوز أن يكون الكفر إلا ما كان في اللغة كفرا، ولا يجوز إيمان إلا ما كان في اللغة إيمانا، وكان يزعم أن السجود للشمس ليس بكفر ولا السجود لغير الله كفر، ولكنه عَلَمٌ على الكفر لأن الله بيّن أنه لا يسجد للشمس إلا الكافر.