الصفحة 53 من 66

والصيام من شعب الإيمان، وتركها من شعب الكفر، والحياء شعبة من الإيمان وعدم الحياء شعبة من شعب الكفر، والصدق شعبة من شعب الإيمان والكذب شعبة من شعب الكفر، والطاعات كلها من شعب الإيمان والمعاصي كلها من شعب الكفر.

وشعب الإيمان والكفر قسمان: قولية وعملية، وكما أن من شعب الإيمان القولية شعبة يوجب زوالها زوال الإيمان وهي الشهادتين، فكذلك من شعبة العملية ما يوجب زوالها زوال الإيمان، وكذلك كما يكفر المرء بالإتيان بكلمة الكفر اختيارا وهي شعبة من شعب الكفر كما قدمنا، فكذلك يكفر بفعل شعبة من شعبه العملية كالسجود للصنم والاستهانة بالمصحف وترك الصلاة.

وقد سمى الله سبحانه وتعالى في قرآنه من عمل ببعض كتابه وترك العمل ببعضه مؤمنا بما عمل به وكافرا بما ترك العمل به، فقال تعالى مخاطبا بني إسرائيل (وإذا أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وأن يأتوكم أسرى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم افتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون) [1] ، فاخبر سبحانه وتعالى هنا أن المُخَاطبين أقروا بميثاقه الذي أمرهم به، وهذا يدل على تصديقهم به وهو أن لا يقتل بعضهم بعضا ولا يخرج بعضهم بعضا من ديارهم، وتصديقهم هنا شعبة من شعب إيمانهم، ثم أخبر تعالى أنهم عصوا أمره وقتل فريق منهم فريقا وأخرجوهم من ديارهم، فهذا هو كفرهم بما أخذ عليهم في الكتاب، فكانوا مؤمنين بما عملوا به من الميثاق، كافرين بما تركوه منه، فكما أن الإيمان الاعتقادي يضاده الكفر الاعتقادي، فكذلك الإيمان العملي يضاده الكفر العملي.

ومن الباطل البين والغلط الظاهر أن يسمي الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم تارك الصلاة كافرا ـ كما ذكرنا في النصوص الواردة في ذلك ـ ويسميه أحد مؤمنا فهذا من المعاندة لكلام الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وإن كان ترك الصلاة من الكفر العملي فليس كل كفر عملي كفر أصغر غير مخرج من الملة كما بينا سابقا.

وهنا مسألة هامة وهي: هل ينفع المرء ما معه من الإيمان في عدم الخلود في النار وإن كان تاركا للصلاة كما يقول ذلك من لم ير كفر تارك الصلاة؟ فيقال: ينفعه أن لم يكن المتروك شرطا في صحة الباقي واعتباره، وأما إن كان ما تركه من العمل شرطا في صحة الإيمان الباقي واعتباره مثل إقام الصلاة لم ينفعه ما معه وإن كان موجودا، ولهذا لم ينفع الإيمان بالله ووحدانيته وأنه لا إله إلا هو من أنكر رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، ولا تنفع الصلاة من صلاها عمدا بغير وضوء، فشعب الإيمان قد يتعلق بعضها ببعض تعلق المشروط بشرطه وقد لا يكون كذلك، وهذا إنما يعرف من النصوص لا بالاجتهاد ومحض الرأي، وعلى كل بكل حال فالصلاة لها شأن انفردت به على سائر الأعمال ويتبين ذلك من وجوه نذكر بعضها:

* أن الله سمى الصلاة إيمانا بقوله (وما كان الله ليضيع إيمانكم) يعني صلاتكم إلى بيت المقدس قبل تحويل القبلة، ولا يصح إن يكون المراد بالآية مجرد تصديقهم بفرض الصلاة، لأن هذه الآية نزلت فيمن صلى إلى بيت المقدس ومات ولم يدرك الصلاة إلى الكعبة ولو كان المقصود بها مجرد التصديق لشركهم في ذلك كل الناس.

* أن الله تعالى قال لنبيه (اتل ما أوحى إليك من الكتاب) وتلاوة الكتاب اتباعه والعمل بما فيه وبجميع شرائع الدين ثم قال تعالى (وأقم الصلاة) [2] ، فخصها بالذكر تمييزا لها بعد دخولها في عموم المأمور به، وكذلك قوله تعالى عن بعض الأنبياء (وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة) [3] ، فقد خصها مع الزكاة بالذكر مع دخولها في جميع الخيرات، وكذلك قوله تعالى (إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا) [4] ، وكذلك قوله تعالى (فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الله و رسوله) [5] ، فان من طاعة الله ورسوله فعل جميع الفرائض، وقد خص الصلاة والزكاة بالذكر بعد ذكر الطاعة لما لهما من الخصوصية، وقوله (ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين) [6] ، والعبادة تعم جميع الطاعات وقد خصت الصلاة بذلك الأمر والاصطبار عليها، وكذلك قوله تعالى مخاطبا المؤمنين جميعا (اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير) [7] ، فخص الركوع والسجود وهما من أركان الصلاة بالذكر مع الأمر بمطلق العبادة، وهذا المعنى واضح من النصوص السالفة فلا نطيل فيه أكثر من هذا.

* أن كل الأنبياء بعثوا بالصلاة بخلاف الصوم و الحج و الزكاة، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لمن اشترط ألا يركع (لا خير في دين لا تحية فيه) [8]

* أنها مقرونة بالتصديق في مثل قوله تعالى (فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى) [9] ، وقوله (والذين

(1) سورة البقرة، الآيتان: 84، 85.

(2) سورة العنكبوت، الآية: 45.

(3) سورة الأنبياء، الآية: 73.

(4) سورة الأنبياء، الآية: 90.

(5) سورة المجادلة، الآية: 13.

(6) سورة الحجر، الآيات: 97: 99.

(7) سورة الحج، الاية: 77.

(8) روى أحمد والطبراني عن عثمان بن أبي العاص أن وفد ثقيف قدموا على رسول الله فأنزلهم المسجد ليكون أرق لقلوبهم، فاشترطوا على النبي أن لا يحشروا ولا يعشروا ولا يجيبوا ولا يستعمل عليهم غيرهم، فقال (إن لكم ان لا تحشروا ولا تعشروا ولا يستعمل عليكم غيركم، لا خير في دين لا ركوع فيه) وعند ابن هشام في السيرة (لا خير في دين لا صلاة فيه) .

(9) سورة القيامة، الآية: 31ـ 32.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت