الصفحة 52 من 66

واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا) [1] ، وأبين مما سبق قول اليهوديين اللذين جاءا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسألاه عن أسئلة لا يعلم جوابها إلا نبي فلما أجابهم عنها صلى الله عليه وسلم قالا نشهد أنك نبي، فقال صلى الله عليه وسلم (ما يمنعكما من اتباعي) قالا: إن داود دعا أن لا يزال في ذريته نبي وأنا نخاف إن اتبعناك أن تقتلنا اليهود) [2] ، فهؤلاء قد أقروا بألسنتهم إقرارا مطابقا لمعتقدهم أنه نبي ولم يدخلوا بهذا التصديق والإقرار في الإيمان لأنهم لم يلتزموا طاعته والانقياد لأمره، ومن هذا الباب كفر أبي طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم فإنه عرف حق المعرفة أنه صلى الله عليه وسلم صادق وأقر بذلك بلسانه وصرح به في شعره ولم يدخل بذلك في الإسلام، فالتصديق إنما يتم بأمرين أحدهما: اعتقاد صدق الرسول صلى الله عليه وسلم، والثاني: محبة القلب وانقياده، ولهذا قال الله تعالى لإبراهيم (يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا) [3] ، ومن المعلوم أن إبراهيم كان معتقدا لصدق رؤياه من حين رآها، فإن رؤيا الأنبياء وحي وحق، وإنما جعله مصدقا لها بعد أن فعل ما أمر به في الرؤيا، ويؤيد هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم (العين تزني وزناها النظر والد تزني وزناها البطش والرجل تزني وزناها المشي والفرج يصدق ذلك كله أو يكذبه) [4] ، فقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم هنا التصديق هو عمل الفرج لا ما يتمنى القلب والتكذيب تركه لذلك، وهذا واضح في أن التصديق لا يصح إلا بالعمل، وهذه مسألة هامة ليس موضع بسط الكلام فيها هاهنا ولكن المقصود بيان أن التصديق ليس فقط اعتقاد صدق المخبر وإنما يكون تصديقا معتبرا إذا انضم إليه الانقياد للشريعة، ولذلك قال الحسن رحمه الله: ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل، وقد روي هذا مرفوعا [5] ، والمقصود أنه يمتنع مع التصديق الجازم بوجوب الصلاة وأن الله تعالى أمر بها والوعد على فعلها والوعيد على تركها وأن يدعى إليها الإنسان ولا يؤديها يمتنع أن يكون مثل هذا مؤمنا أبدا.

وأما قولهم: إن الصلاة عمل من أعمال الجوارح فلم يكفر بتركه كسائر الأعمال المفروضة فغلط واضح، وذلك لأن الإيمان أصل له شعب متعددة وكل شعبة منها تسمى إيمانا، فالصلاة من الإيمان وكذلك الزكاة والحج والصيام والأعمال الباطنة كالحياء والتوكل والخشية من الله والأنابة إليه حتى تنتهي هذه الشعب إلى أماطة الأذى عن الطريق فإنه شعبة من شعب الإيمان، وهذه الشعب منها ما يزول الإيمان بزوالها كشعبة الشهادة، ومنها ما لا يزول الإيمان بزوالها كترك أماطة الأذى عن الطريق، وبينهما شعب متفاوتة تفاوتا عظيما، فمنها ما يلحق بشعبة الشهادة ويكون إليها أقرب كالصلاة، ومنها ما يلحق بشعبة إماطة الأذى ويكون إليها أقرب كحسن الخلق وإكرام الضيف، وكذلك الكفر ذو أصل وشعب، فكما أن شعب الإيمان إيمان فشعب الكفر كفر، فالصلاة والزكاة والحج

(1) سورة النمل، الآية: 14.

(2) رواه النسائي والبيهقي والترمذي وقال: حسن صحيح، ورواه أيضا الطبراني وابن أبي شيبة.

(3) سورة الصافات، الآية: 104.

(4) رواه البخاري ومسلم وأحمد وأبو داود وابن حبان والبيهقي وأبو يعلى.

(5) رواه ابن أبي شيبة وابن عدي في الكامل وسكت عنه السيوطي في الجامع، والصحيح أنه من قول الحسن رحمه الله ولا يصح مرفوعا لأنه من رواية عبد السلام بن صالح العابد وهو متروك كما قال النسائي وقال ابن عدي: مجمع على ضعفه. انتهى، وقد تفرد به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت