الصفحة 51 من 66

رحمهما الله قال: مثل الإيمان كشجرة فاصلها الشهادة وساقها وورقها كذا وثمرها الورع ولا خير في شجرة لا ثمر لها، ولا خير في إنسان لا ورع له، وعن عبد الله بن نافع قال: كان مالك رحمه الله يقول: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، وعن الحسن رحمه الله قال: الإيمان قول، وعن عبيد بن عمير الليثي رحمه الله أنه قال: ليس الإيمان بالتمني ولكن الإيمان قول يعقل وعمل يعمل. اهـ [1]

وقد ذكر أبو عمر بن عبد البر رحمه الله بتفصيل ما ذكره ابن القيم بإجمال ونقل إجماع العلماء بعد طبقات السلف التي ذكرها عبد الله بن أحمد على أن الإيمان قول وعمل واعتقاد فقال رحمه الله: وأجمع أهل الفقه والحديث أن الإيمان قول وعمل، ولا عمل إلا بنية، والإيمان عندهم يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، والطاعات كلها عندهم إيمان ... وأما سائر الفقهاء من أهل الرأي والآثار بالحجاز والعراق والشام ومصر منهم مالك بن أنس والليث بن سعد وسفيان الثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو عبيد القاسم بن سلام وداود بن علي الظاهري والطبري ومن سلك سبيلهم فقالوا: الإيمان قول وعمل، قول باللسان وهو الإقرار واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح مع الإخلاص بالنية الصادقة، قالوا: وكل ما يطاع الله عز وجل به من فريضة ونافلة فهو من الإيمان، والإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعاصي. اهـ [2]

فالإيمان قول وعمل والعمل هو تصديق القول، فإذا خلا العبد عن العمل بالكلية لم يكن مؤمنا، والقول الذي يصير به المرء مؤمنا قول مخصوص وهو الشهادتان، فكذلك العمل ومنه إقامة الصلاة، وأيضا فإن إبليس بامتناعه عن السجود لآدم امتثالا لأمر الله تعالى قد لزمه الكفر واللعنة، فكيف من يمتنع عن السجود لله تعالى، وهذا لأن الكفر لو كان مجرد الجحد لما كان إبليس كافرا، وأيضا فإن حقيقة الدين هو الطاعة والانقياد وذلك إنما يتم بالفعل لا بالقول فقط، فمن لم يأت بالفعل المشروط في الإيمان فما دان لله كما أمر وهو كافر.

وإن تنزلنا وقلنا أن الإيمان هو التصديق فإنا لا نقصد حينئذ بالتصديق مجرد اعتقادا صدق المخبر دون الانقياد له، ولو كان مجرد اعتقاد التصديق إيمانا لكان إبليس وفرعون وقومه وقوم صالح واليهود الذين عرفوا أن محمدا رسول الله كما يعرفون أبناءهم مؤمنين لأنهم مصدقين، قال تعالى (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم) [3] ، وقد قال تعالى (فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون) [4] ، أي إنهم يعتقدون أنك صادق غير كاذب ولكنهم يجحدون بآيات الله، والجحود لا يكون إلا بعد معرفة الحق كما قال تعالى (وجحدوا بها

(1) راجع السنة لعبد الله بن أحمد ج1/ 313: 317

(2) راجع كتاب الإيمان لابن تيمية /313ـ314، ومن أراد أن يراجع نصوص أقوال السلف وأهل السنة مفصلة فليرجع إليها في المبحث الخاص بمسائل الإيمان من كتابنا التبيان في أهم مسائل الكفر والإيمان.

(3) سورة البقرة، الآية: 146.

(4) سورة الأنعام، الآية 33.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت