الصفحة 48 من 66

مكفرة لقائلها مخرجة له من ملة الإسلام، فليحذر كل امرئ لنفسه وكل امرئ حسيب نفسه.

وفي الردة بالأفعال قال أبو بكر الحصني أيضا بعد كلامه السابق: وأما الكفر بالفعل فكالسجود للصنم والشمس والقمر، وإلقاء المصحف في القاذورات، والسحر الذي فيه عبادة الشمس، وكذا الذبح للأصنام، والسخرياء باسم من أسماء الله تعالى أو بأمره أو وعيده، أو قراءة القرآن على ضرب الدف، وكذا لو كان يتعاطى الخمر والزنا ويقدم اسم الله تعالى استخفافا فإنه يكفر، ونقل الرافعي عن أصحاب أبي حنيفة أنه لو شد الزنار على وسطه كفر، قال: واختلفوا فيمن وضع قلنسوة المجوس على رأسه والصحيح أنه يكفر، ولو فعل فعلا أجمع المسلمون على أنه لا يصدر إلا من كافر، وإن كان مصرحا بالإسلام مع فعله كالسجود للصليب أو المشي إلى الكنائس مع أهلها بزيهم من الزنانير وغيرها فإنه يكفر. اهـ [1]

وأما قول من منع من تكفير تارك الصلاة: إن الإيمان هو التصديق وضده التكذيب لا ترك العمل، فكيف يحكم للمصدق بحكم المكذب الجاحد، فالرد عليه أن يقال:

إن القول بأن الإيمان هو التصديق إنما هو قول المرجئة الذين بدعهم السلف وشنوا الغارة عليهم لقيلهم هذا، وهو قول باطل معلوم بطلانه من الكتاب والسنة، ومن المعلوم أن الإيمان عند أهل السنة والجماعة إنما هو قول وعمل واعتقاد وأن شعب الإيمان تتفاضل وأن أهل الإيمان أنفسهم يتفاضلون فيه كما دل على ذلك الكتاب والسنة وأجمع عليه سلف الأمة المهديين [2] ، ودلائل ذلك كثرة في الكتاب والسنة ومن ذلك:

(1) كفاية الأخيار لأبي بكر الحصني ج2/ 123ـ124، راجع البحر الرائق لابن نُجَيم ج5/ 130ـ134

(2) اختلف الناس فيما يقع عليه اسم الإيمان اختلافا كثيرا فذهب مالك والشافعي وأحمد والأوزاعي وإسحاق بن راهويه وسائر أهل الحديث وأهل المدينة رحمهم الله وأهل الظاهر وجماعة من المتكلمين إلى أنه اعتقاد بالجنان وإقرار باللسان وعمل بالجوارح، وهذا هو الحق الذي دل عليه الكتاب والسنة، وذهب كثير من الأحناف إلى أنه الإقرار باللسان والتصديق بالجنان، ومنهم من يقول: إن الإقرار باللسان ركن زائد ليس بأصلي وإلى هذا ذهب أبو منصور الماتريدي ويروى عن أبي حنيفة أيضا، وهذا القول معارض لكثير من نصوص القرآن والسنة، وذهب الكرامية إلى أن الإيمان هو الإقرار باللسان فقط، فالمنافقون عندهم مؤمنون كاملو الإيمان ولكنهم يقولون بأنهم يستحقون الوعيد الذي أوعدهم الله به وهذا مذهب فاسد، وذهب الجهم بن صفوان وأبو الحسن الصالحي أحد رؤساء القدرية إلى أن الإيمان هو المعرفة بالقلب وهذا القول أظهر فسادا مما قبله، فإن لازمه أن فرعون وقومه كانوا مؤمنين، فإنهم عرفوا صدق موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام ولم يؤمنوا بهما، ولهذا قال موسى لفرعون (لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر) ، وقال تعالى (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين) ، وأهل الكتاب كانوا يعرفون النبي كما يعرفون أبناءهم ولم يكونوا مؤمنين به بل كافرين به معادين له، وكذلك أبو طالب عنده يكون مؤمنا فإنه قال:

ولقد علمت بأن دين محمد ... من خير أديان البرية دينا

لولا الملامة أو حذار مسبة ... لوجدتني سمحا بذاك مبينا

بل إبليس يكون عند الجهم مؤمنا كامل الإيمان، فإنه لم يجهل ربه بل هو عارف به (قال رب فأنظرني إلي يوم يبعثون) ، (قال رب بما أغويتني) ، (قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين) وحاصل الكل يرجع إلى أن الإيمان إما أن يكون ما يقوم به القلب واللسان وسائر الجوارح كما ذهب إليه جمهور السلف من الأئمة الثلاثة وغيرهم، أو بالقلب واللسان دون الجوارح كما ذكره الطحاوي عن أبي حنيفة وأصحابه، أو باللسان وحده كما تقدم ذكره عن الكرامية أو بالقلب وحده، وهو إما المعرفة كما قاله الجهم، أو التصديق كما قاله أبو منصور الماتريدي، ولا يصح من هذه الأقوال كلها إلا قول جمهور العلماء وهو القول الأول (راجع شرح العقيدة الطحاوية/373ـ374 مع التنبه إلى بعض الأخطاء الواردة في كلام الشارح) ، وقد ذكرنا شرح هذه المسالة وما يتعلق بها من مسائل في المبحث الخاص بمسائل الإيمان من كتابنا التبيان في أهم مسائل الكفر والإيمان فمن أراد المزيد فليرجع إليها هناك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت