الصفحة 46 من 66

عليه وسلم وأصحابه القراء، وما قصدوا الكفر بقلوبهم بدليل أنهم قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم: سمر كنا نقطع به الطريق، فأكفرهم الله تعالى بذلك وحكم عليهم بالكفر بعد الإيمان، وهذا بيان واضح لمن كان له قلب يفهم ويعي به أن الكفر كما يكون بالقلب يكون أيضا بالعمل المجرد ويكون أيضا بالكلمة التي تخرج من الفم ولا تعلق لها بالقلب [1] .

وفي بيان السبب في قول من أرجع الكفر وعلقه على عمل القلب قال ابن تيمية رحمه الله: ومن هنا يظهر خطأ قول جهم بن صفوان ومن اتبعه حيث ظنوا أن الإيمان مجرد تصديق القلب وعلمه، ولم يجعلوا أعمال القلب من الإيمان، وظنوا أنه قد يكون الإنسان مؤمنا كامل الإيمان بقلبه، وهو مع هذا يسب الله ورسوله ويعادي الله ورسوله ويعادي أولياء الله ويوالي أعداء الله ويقتل الأنبياء ويهدم المساجد ... إلى قوله رحمه الله: قالوا: هذه كلها معاصٍ لا تنافي الإيمان الذي في قلبه، بل يفعل هذا وهو في الباطن عند الله مؤمن، قالوا: وإنما نثبت له في الدنيا أحكام الكفار لأن هذه الأقوال أمارة على الكفر ... إلى أن قال رحمه الله:

فإذا أورد عليهم الكتاب والسنة والإجماع على أن الواحد من هؤلاء كافر في نفس الأمر معذب في الآخرة قالوا: فهذا دليل على انتفاء التصديق والعلم من قلبه. اهـ [2]

وقد قال ابن حزم رحمه الله في كلامه على قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم ليعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون) : فها نص جلي وخطاب للمؤمنين بان إيمانهم قد يبطل جملة وأعمالهم تحبط برفع أصواتهم فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم دون جحد منهم أصلا، ولو كان منهم جحد لشعروا به والله تعالى أخبرنا بان ذلك يكون وهم لا يشعرون. اهـ [3]

وقد ذكر علماؤنا الكرام أنواعا من الأعمال المكفرة ولم يشترطوا لها جحود القلب أو استحلاله، وذلك مثل ما نقله ابن كثير رحمه الله من الإجماع على كفر من بدل أحكام الله تعالى حيث قال رحمه الله فيمن ترك حكم الله تعالى وحكم بغيره: فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر، فكيف بمن تحاكم إلى الياسا وقدمها عليه؟ من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين، قال تعالى (أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون) [4] ، وقال تعالى (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما

(1) راجع في بيان حكم هذه الآية: شرح الشفا للقاضي عياض ج 2/ 393 وما بعدها، الصارم المسلول لابن تيمية/31: وما بعدها، المغني لابن قدامة ج8/ 150، تفسير القرطبي ج1/ 309، الكلمات النافعة في المكفرات الواقعة/18.

(2) مجموع الفتاوى ج7/ 188 ـ 189.

(3) راجع الفصل ج3/ 220.

(4) سورة المائدة، الآية: 50.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت