الصفحة 45 من 66

أخاكم، فوالله ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل: سمن كلبك يأكلك، ولئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فجاءه عبد الله بن أبي فحلف أنه لم يقله، قاله قتادة، وقول ثالث: أنه قول جميع المنافقين قاله الحسن، قال ابن العربي: وهو الصحيح.

وقوله تعالى (ولقد قالوا كلمة الكفر) قيل: كلمة الكفر قول الجلاس: إن كان ما جاء به محمد حقا لنحن أشر من الحمير، وقول عبد الله بن أبي: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، (وكفروا بعد إسلامهم) دلالة واضحة على أنهم كانوا مسلمين قبل قيلهم هذا وأنهم كفروا بمجرد هذا القول [1]

وقال تعالى في قصة الرجلين المذكورين في سورة الكهف أن أحدهما قال حينما دخل جنته (ما أظن أن تبيد هذه أبدا وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا) فرد عليه صاحبه قائلا (أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا) فأكفره صاحبه بكلمة قالها دون ذكر لعقيدة القلب ولو كان تكفير الرجل لصاحبه باطلا لرده الله تعالى وأبطله، فلما لم يبطله تعالى علم أنه حكم صحيح لا غبار عليه، ولذلك قال في آخر هذه الآيات (وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها ويقول ياليتني لم أشرك بربي أحدا) [2]

ولذلك ذكر الشوكاني رحمه الله إن صاحب الجنة كفر بهذه الكلمة، فقال: (قال له صاحبه) أي قال للكافر صاحبه المؤمن حال محاورته له منكرا عليه ما قاله (أكفرت بالذي خلقك من تراب) بقولك (ما أظن الساعة قائمة) ، وقيل: يحتمل أنه كان كافرا بالله فأنكر عليه ما هو عليه من الكفر ولم يقصد أن الكفر حدث له بسبب هذه المقالة. اهـ [3]

وقال تعالى أيضا في بيان أن الكفر يكون بالكلمة فقط ولا يشترط فيه عمل القلب من جحود أو غيره (ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم) ، ومن المعلوم أن هذه الآية نزلت في قوم كانوا يظهرون الإسلام ويحكم لهم به في أحكام الدنيا، وقد أثبت الله لهم ذلك بقوله (قد كفرتم بعد إيمانكم) ، وأن هؤلاء القوم ما زادوا على كلمة قالوها على وجه التسلية وإشغال الوقت، فقد قالوا: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا ولا أكذب ألسنا ولا أجبن عند اللقاء، يعني رسول الله صلى الله

(1) راجع في تفسير هذه الآية: تفسير الطبري ج10/ 185: 187، تفسير القرطبي ج8/ 206ـ 207، تفسير أبي السعود ج4/ 84، فتح القدير ج2/ 383

(2) سورة الكهف، الآيات:32: 44.

(3) فتح القدير للشوكاني ج3/ 286، راجع في تفسير الآية: تفسير الطبري ج15/ 246: 251، روح المعاني للألوسي ج15/ 277

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت