أرضا فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثيي الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به).
وأما الشرط الرابع فهو الانقياد لما دلت عليه هذه الكلمة قال الله عز وجل في بيان ذلك (وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له) [1] ، وقال تعالى (ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن) [2] ، وقال تعالى (ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى) [3] ، أي تمسك بلا إله إلا الله، ومعنى (يسلم وجهه) أي ينقاد لأمر ربه، (وهو محسن) وهو موحد، ومن لم يسلم وجهه إلى الله ولم يكن محسنا فإنه لم يستمسك بالعروة الوثقى وهو المعني بقوله عز وجل بعد هذه الآية (ومن كفر فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم فننبؤهم بما عملوا إن الله عليم بذات الصدور نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ) [4] ، ولذلك فقد في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به) [5] وهذا هو كمال الانقياد وتمامه.
(1) سورة الزمر، الآية: 54.
(2) سورة النساء، الآية: 125.
(3) سورة لقمان، الآية: 22.
(4) سورة لقمان، الآية: 23.
(5) هذا الحديث رواه البيهقي والطبراني وابن أبي عاصم في السنة وابن بطة في الإبانة والقاسم بن عساكر في طرق الأربعين كلهم عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما، ولفظ رواية البيهقي (لن يستكمل مؤمن إيمانه حتى يكون هواه تبعا لما جئتكم به) وقد خرج هذا الحديث الحافظ أبو نعيم في كتاب الأربعين وشرط في أولها أن تكون من صحاح الأخبار ومما أجمع الناقلون على عدالة ناقليه وخرجته الأئمة في مسانيدهم، والحديث قال عنه النووي رحمه الله: حديث حسن رويناه في كتاب الحجة بإسناد صحيح، وقال ابن حجر: رجاله ثقات وقد صححه النووي في آخر الأربعين، وقد ضعفة الألباني في شرح السنة، وكتاب الحجة الذي ذكره النووي هو كتاب الحجة على تاركي سلوك طريق المحجة يتضمن ذكر أصول الدين على قواعد أهل الحديث والسنة وصاحبه هو أبو الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي الشافعي، قال ابن رجب الحنبلي: قال الحافظ أبو موسى المديني: هذا الحديث مختلف فيه على نعيم، قال ابن رجب: تصحيح هذا الحديث بعيد جدا من وجوه منها: أنه حديث ينفرد به نعيم بن حماد المروزي ونعيم هذا وإن كان وثقه جماعة من الأئمة وخرج له البخاري فإن أئمة الحديث كانوا يحسنون به الظن لصلابته في السنة وتشدده على أهل الرد في الأهواء وكانوا ينسبونه إلى أنه يهم ويشبه عليه في بعض الأحاديث، فلما كثر عثورهم على مناكيره حكموا عليه بالضعف، فروى صالح بن محمد الحافظ عن ابن معين أنه سئل عنه فقال: ليس بشيء إنما هو صاحب سنة، قال صالح: وكان يحدث من حفظه وعنده مناكير كثيرة لا يتابع عليها، وقال أبو داود: عند نعيم نحو عشرين حديثا عن النبي ليس لها أصل، وقال النسائي: ضعيف، وقال مرة: ليس ثقة، وقال مرة: قد كثر تفرده عن الأئمة المعروفين في أحاديث كثيرة فصار في حد من لا يحتج به، وقال أبو زرعة الدمشقي: يصل أحاديث يوقفها الناس، يعني أنه يرفع الموقوفات، وقال أبو سعيد بن يونس: روى أحاديث مناكير عن الثقات، ونسبه آخرون إلى أنه كان يضع الحديث، ومن وجوه ضعف الحديث أنه قد اختلف على نعيم في إسناده فروى عنه الثقفي عن هشام وروى عنه الثقفي حدثنا بعض مشيختنا حدثنا هشام أو غيره، وعلي هذه الرواية يكون الشيخ معروف عنه وروى عن الثقفي حدثنا بعض مشيختنا حدثنا هشام أو غيره، وعلي هذه الرواية فالثقفي رواه عن شيخ مجهول وشيخه رواه معين فتزداد الجهالة في إسناده، ومنها: أن في إسناده عقبة بن أوس السدوسي البصري ويقال فيه يعقوب بن أوس أيضا وقد خرج له أبو داود والنسائى وابن ماجه حديثا عن عبدالله بن عمرو ويقال عبدالله بن عمر وقد اضطرب في إسناده، وقد وثقه العجلي وابن سعد وابن حبان وقال ابن خزيمة: روى عنه ابن سيرين مع جلالته، وقال ابن عبد البر: هو مجهول، وقال الغلابي في تاريخه: يزعمون أنه لم يسمع من عبدالله بن عمرو وإنما يقول: قال عبدالله بن عمرو فعلي هذا تكون رواياته عن عبدالله بن عمرو منقطعة والله أعلم (راجع جامع العلوم والحكم ج1/ 387) .