فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف في وجهه الغضب فقال (إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم في الكتاب) .
فالأصل أن يُجمع بين الأدلة التي يبدو لنا أن ظاهرها التعارض ولذلك نقول: إن الأحاديث التي ورد فيها الاقتصار على مجرد النطق بالشهادتين قد ورد من الأدلة الصحيحة ما يقيد مطلقها ومن ذلك:
عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا (أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله مخلصا من قلبه أو نفسه) [1]
ومن ذلك ما ورد عن جابر رضي الله عنه أن معاذا لما حضرته الوفاة قال: اكشفوا عني سجف القبة سمعت رسول الله يقول (من شهد ـ أو قال ـ أن لا إله إلا الله مخلصا من قلبه دخل الجنة) [2] فقد قيد النبي صلى الله عليه وسلم القول المطلق هناك بالإخلاص هنا، وللحديث رواية أخرى عن معاذ رضي الله عنه أيضا أنه قال: أخبركم بشيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يمنعني أن أحدثكموه إلا أن تتكلوا سمعته صلى الله عليه وسلم يقول (من شهد أن لا إله إلا الله مخلصا من قلبه أو يقينا من قلبه لم يدخل النار أو دخل الجنة) وقال مرة (دخل الجنة ولم تمسه النار) [3] ، فهذا في اشتراط الإخلاص، وإذا انتفى الشرط انتفى المشروط، ولذلك فقد بوب ابن حبان رحمه الله على هذا الحديث باب: ذكر البيان بأن الجنة إنما تجب لمن شهد لله جل وعلا بالوحدانية وكان ذلك عن يقين من قلبه لا أن الإقرار بالشهادة يوجب الجنة للمقر بها دون أن يقر بها بالإخلاص.
وعن جابر رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ناد يا عمر في الناس أنه من مات يعبد الله مخلصا من قلبه أدخله الله الجنة وحرم عليه النار) ، فقال عمر: يا رسول الله أفلا أبشر الناس، قال صلى الله عليه وسلم: (لا لا يتكلموا) [4] وهذا مثل سابقه.
وفي اشتراط اليقين المنافي للشك قال الله عز وجل (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا في سبيل الله) إلى قوله تعالى (أولئك هم الصادقون) [5] ، فاشترط في صدق إيمانهم بالله ورسوله كونهم لم يرتابوا أي لم يشكوا، بأن يكون قائلها مستيقنا بمدلول هذه الكلمة يقينا جازما، فإن الإيمان لا يغني فيه إلا علم اليقين لا علم الظن، فكيف إذا دخله الشك، فأما المرتاب فهو من المنافقين والعياذ بالله الذين قال الله تعالى فيهم (إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون) [6]
وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له وقد أعطاه نعليه: (اذهب بنعلي هاتين فمن لقيت من وراء هذا
(1) رواه البخاري وأحمد والبيهقي وابن أبي عاصم في السنة.
(2) رواه ابن حبان وأبو يعلى والبيهقي في الصغرى والهيثمي في موارد الظمآن.
(3) رواه أحمد والطبراني.
(4) رواه أبو يعلى وعبد بن حميد.
(5) سورة الحجرات، الآية: 3.
(6) سورة التوبة، الآية: 45.