فدار الإسلام كما عرَّفها أهل العلم: هي الدار التي تعلوها أحكام الإسلام وشريعته ويحكمها المسلمون ولو كان غالب سكانها كفارًا، والعكس: فدار الكفر هي التي تعلوها أحكام الكفر وشريعة الأهواء والشيطان ويحكمها الكفار ولو كان غالب سكانها مسلمين
والهجرة لا تكون إلا من دار الكفر إلى دار الإسلام، لذلك قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه) [متفق عليه] .
الهجرة .. ومعناها:
فالهجرة في معناها العام يشترك فيها المسلم والكافر بل يشترك فيها الحيوان مع الإنسان.
وهي لغةً: الانتقال من بلد إلى بلد ومن مكان إلى آخر.
أما الهجرة المعتبرة شرعًا والمأمور بها دينًا؛ فهي الهجرة إلى الله تعالى والى رسوله صلى الله عليه وسلم، أي إلى الدار التي يُحكم فيها بالكتاب والسنة، وأما غير ذلك فهي هجرة مثل هجرة الطيور تقطع البلدان بحثًا عن فتات تأكله أو دفء تتمرغ فيه.
وأما إذا عُدمت دار الإسلام وأُقصيت شريعة الله تعالى عن أن تحكم في واقع الناس وانفرط عقد المسلمين وتغلب الكفار على بلادهم، فالهجرة في هذه الحالة إنما هي هجرة للجهاد والإعداد وإن كانت في كل أحوالها مقدمة للجهاد وقرينة له لقوله صلى الله عليه وسلم: (إن الهجرة لا تنقطع ما دام الجهاد) [رواه أحمد] .
الهجرة .. والجهاد:
والجهاد في سبيل الله ماضٍ إلى يوم القيامة كما أخبر صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة، والله تعالى ذكر الهجرة مقرونة مع الجهاد في كثير من المواضع في كتابه، كقوله سبحانه {إن الذين ءامنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين أووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض} ، وقوله تعالى {والذين ءامنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقًا} .
فالهجرة إذًا ليست انسحابًا من المعركة وتخليًا عن نصرة الحق وإيثارًا للراحة والسلامة، بقدر ماهي فتنةٌ وامتحان من الله تعالى ليعلم سبحانه من ينصره ودينه، ولهذا لما ركن بعض المسلمين أول الإسلام إلى أموالهم وأبنائهم وتركوا الهجرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجعل الله تعالى لهم ولاية ولا على المؤمنين نصرة إلا إذا استنصروهم في الدين وعلى قوم ليس بينهم وبين المسلمين عهد أو ميثاق، قال الله تعالى {والذين ءامنوا ولم يهاجروا مالكم من ولايتهم من شئ حتى يهاجروا وان استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق} .
وخلاصة القول:
أن الهجرة في سبيل الله تعالى ليست خلودًا للراحة ولا حبًا في الحياة ولا استكانة للذل، ولكنها متابعة لمسيرة الحق في أبعاد جديدة، وتجميعٌ للقوة في تنظيم متماسك، وانطلاقةٌ واعية لإعداد القوة ورباط الخيل لإرهاب أعداء الله تعالى، ثم هي عودة للجهاد والاستشهاد وتقديم الغالي والرخيص في سبيل الحق الذي قامت عليه الأرض والسماوات
مفهوم الهجرة اليوم:
وقد كان مفهوم الهجرة عند الجيل الأول واضحًا لم يشبه غبش ولم تدخله الأهواء ولم تؤثر فيه أفكار العقول التي لا تستنير بهدي الكتاب والسنة.
أما اليوم - وللأسف - فإن آثار الفهم المِعْوَجّ للهجرة في سبيل الله ظاهرة لا تحتاج إلى مزيد بيان، فلم يعد في حس كثير من الدعاة إلى الإسلام - فضلًا عن غيرهم - معنًا لدار الإسلام ودار الحرب، ولم تعد موالاة الكافرين والدخول في طوائفهم وعساكرهم قدحًا في الإيمان ولا حتى مؤثرة فيه، وصارت بذلك الهجرة انتقالًا في الأرض من أجل حياة أفضل وعيش أرغد تحت أي مظلة كانت على أي أرض وُجدت.
ولا عجب إذًا - وفهم الجيل الأول لمعنى الهجرة في سبيل الله تعالى قد غاب عند كثير من المتأخرين وصار رهين الكتب وحبيس الماضي - أن ينتشر المسلمون بل خيرتهم وذوو التخصصات العلمية منهم في بقاع الأرض، ضعافًا بلا قوة وشتاتًا بلا دولة تقيم دينهم وتحقق عبودية الله تعالى في الأرض بإقرار منهجه وتحكيم شرعه.