ثم سار على هدي النبي صلى الله عليه وسلم صحابته الكرام الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه. فقاموا ببيان التوحيد أتم قيام واهتموا به أشد الاهتمام واعتنوا به أعظم الاعتناء لعلمهم أنه لا قوام للبلاد ولا للعباد إلا به فأسهروا ليلهم وأظمأوا نهارهم لبيانه كيف لا وقد شربوا مشربًا رِويًّا وتعلموا علمًا شرعيًا والوحي ينزل عليهم والنبي صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم بكرة وعشيًا.
ففتحوا البلاد شرقًا وغربًا، ورفعوا فيها كلمة التوحيد والإخلاص"لا إله إلا الله"فاستقامت البلاد وانقمع أهل الشرك والإلحاد.
ثم درج على هذا المنهج التابعون وتابعوهم بإحسان وتحملوا عبئًا كبيرًا في بيانه وتوضيحه فأصبحت القرون الثلاثة الأولى خير الناس علمًا وعملًا.
ثم تخللت بعد ذلك فترات ظهرت فيها البدع والمنكرات واستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير إلى زمن شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- فلما ظهر هذا الشيخ الجليل والعالم النبيل والفقيه الخرِّيت ورأى ما عليه أهل زمانه من كثرة البدع وانتشارها وجهل الكثير بالتوحيد شمّر عن ساق الدعوة. وبذل نفسه لبيان التوحيد الذي انطمست آثاره، وعفت رسومه، فلا يعرفه إلا القليل. فجاهد في الله حق جهاده، ودعا إلى التوحيد ليلًا ونهارًا سرًا وجهارًا بالقلم واللسان والسيف والسِّنان. وأبان لأهل زمانه التوحيد فسارت بدعوته الركبان وعلت كلمة الحق في سائر البلدان فنفع الله بدعوته أهل الإيمان. وشرق بها أهل الزيغ والأضغان.
ثم سار على منهجه جماعة من العلماء الأعلام ويبنوا للناس التوحيد أعظم بيان.
ثم حدث بعد ذلك ما شاء الله أن يحدث فظهرت الأمور المنكرات والبدع المهلكات والتوسلات البدعيات إلى أن أظهر الله الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب أجزل الله له الأجر والثواب وأدخله الجنة بغير حساب فدعا إلى التوحيد ونهى العباد عن التنديد برب العبيد وصنف كتابه المشهور"كتاب التوحيد حق الله على العبيد"، وضمنه ما يحتاج إليه المسلم من توحيد الإلهية، وتوحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات، فانتفع به الصغير والكبير في سائر البلدان.
ثم بعد ذلك سار على منهجه أحفاده الهداة الأعلام وتلاميذهم أهل المعرفة والإتقان فدعوا العباد إلى ربهم ومعبودهم المرجو لكشف الملمّات وإغاثة اللهفات وإزالة الكربات حتى يحظوا بالشرب من حوض المبعوث رحمة للبريات فرحمهم الله رحمة واسعة إلى أن حدث في زماننا هذا خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون، يدعون أن المسلم في هذا الزمان قد استغنى عن بيان التوحيد، وأن الناس اليوم لا حاجة بهم إلى الإطناب بذكره والإشادة بفضله لمعرفتهم إياه فضلوا وأضلوا (كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا) .
ولعل التوحيد عند هؤلاء الأقوام هو الإقرار والاعتراف بوجود فاطر الأرض والسموات فإن كان كذلك فهي مصيبة تنبئ عن جهلهم بما أُرسلت الرسل من أجله وأُنزلت الكتب لبيانه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: