فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 30

أحدهما: أن يقولوا: إن الخضر كان مشاهدًا الإرادة الربانية الشاملة والمشيئة الإلهية العامة - وهي الحقيقة الكونية - فلذلك سقط عنه الملام فيما خالف فيه الأمر والنهي الشرعي، وهو من عظيم الجهل والضلال، بل من عظيم النفاق والكفر؛ فإن مضمون هذا الكلام: أن من آمن بالقدر، وشهد أن الله رب ك شيء؛ لم يكن عليه أمر ولا نهي وهذا كفر بجميع كتب الله ورسوله وما جاؤوا به من الأمر والنهي .. إلخ.

وأما الوجه الثاني: فإن من هؤلاء من يظن أن من الأولياء من يسوغ له الخروج عن الشريعة النبوية كما ساغ للخضر الخروج عن متابعة موسى، وأنه قد يكون للولي في المكاشفة والمخاطبة ما يستغني به عن متابعة الرسول في عموم أحواله أو بعضها، وكثير منهم يفضل الولي في زعمه - إما مطلقًا وإما من بعض الوجوه - على النبي؛ زاعمين أن في قصة الخضر حجة لهم.

وكل هذه المقالات من أعظم الجهالات والضلالات، بل من أعظم أنواع النفاق والإلحاد والكفر، فإنه قد عُلم بالاضطرار من دين الإسلام أن رسالة محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم لجميع الناس؛ عربهم وعجمهم، وملوكهم وزهادهم؛ وعلمائهم وعامتهم، وأنها باقية دائمة إلى يوم القيامة، بل عامة الثقلين الجن والإنس، وأنه ليس لأحد من الخلائق الخروج عن متابعته وطاعته وملازمته ما يشرعه لأمته من الدين، وما سنه لهم من فعل المأمورات وترك المحظورات، بل لو كان الأنبياء المتقدمون قبله أحياء؛ لوجب عليهم متابعته ومطاوعته"."

إلى أن قال رحمه الله:"بل قد ثبت بالأحاديث الصحيحة: أن المسيح عيسى ابن مريم: إذا نزل من السماء؛ فإنه يكون متبعًا لشريعة محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم."

فإذا كان صلى الله عليه وسلم يجب اتباعه ونصره على من يدركه من الأنبياء؛ فكيف بمن دونهم؟!

بل مما يُعلم بالاضطرار من دين الإسلام أنه لا يجوز لمن بلغته دعوته أن يتبع شريعة رسول غيره؛ كموسى وعيسى؛ فإذا لم يجز الخروج عن شريعته إلى شريعة رسول فكيف بالخروج عنه والرسل .."."

إلى أن قال:"ومما يبين الغلط الذي وقع لهم في الاحتجاج بقصة موسى والخضر على مخالفة الشريعة: أن موسى عليه السلام لم يكن مبعوثًا إلى الخضر، ولا أوجب الله على الخضر متابعته وطاعته، بل قد ثبت في"الصحيحين"أن الخضر قال له: يا موسى! إني على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه، وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه"، وذلك أن دعوة موسى كانت خاصة.

وقد ثبت في الصحاح من غير وجه عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال فيما فضله الله به على الأنبياء؛ قال:"كان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة".

فدعوة محمد صلى الله عليه وسلم شاملة لجميع العباد، ليس لأحد الخروج عن متابعته وطاعته، ولا استغناء عن رسالته، كما ساغ للخضر الخروج عن متابعة موسى وطاعته؛ مستغنيًا عنه بما علمه الله، وليس لأحد ممن أدركه الإسلام أن يقول لمحمد: إنني على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه، ومن سوغ هذا، أو اعتقد أن أحدًا من الخلق الزهاد والعباد أو غيرهم له الخروج عن دعوة محمد صلى الله عليه وسلم ومتابعته؛ فهو كافر باتفاق المسلمين، ودلائل هذا في الكتاب والسنة أكثر من أن تذكر هنا.

وقصة الخضر ليس فيها خروج عن الشريعة، ولهذا؛ لما بين الخضر لموسى الأسباب التي فعل لأجلها ما فعل؛ وافقه موسى، ولم يختلفا حينئذ، ولو كان ما فعله الخضر مخالفًا لشريعة موسى، لما وافقه .."اه المقصود من كلامه رحمه الله، وفيه البيان الشافي في هذه المسألة العظيمة."

وبهذا يتبن أنه لا يجوز لأحد أن يدعي الخروج عن شريعة محمد، كما يدعيه غلاة الصوفية، ويفسرون قوله تعالى: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَاتِيَكَ الْيَقِينُ) [104] ؛ أي: العلم والمعرفة، ويجوزون لمن حصل عنده علم ومعرفة الخروج عن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، ويسقطون عنه التكاليف، وهذا كفر وخروج عن الإسلام باتفاق العلماء.

وما أحسن ما قاله العلامة ابن القيم في"نونيته":

فالكفر ليس سوى العناد ورد ما

قد قالها فتبوء بالخسران ... فانظر لعلك هكذا دون التي

فإذا كان رد ما جاء به الرسول كفرًا، فكيف بالخروج عن شريعته بالكلية؟

فالله المستعان.

[100] الأنعام: 153.

[101] الأنعام: 153.

[102] النحل: 89.

[103] "الفتاوى" (11/ 418 -التصوف) .

[104] الحجر: 99.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت