وكذلك: الأنساب مثل كون الإنسان أبًا لآخر أو أخاه، يثبت في بعض الأحكام دون بعض. فإنه قد ثبت في الصحيحين أنه لما اختصم إلى النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن أبي وقاص، وعبد بن زمعة بن الأسود في ابن وليدة زمعة، وكان عتبة بن أبي وقاص قد فجر بها في الجاهلية، وولدت منه ولدًا، فقال عتبة لأخيه سعد: إذا قدمت مكة فانظر ابن وليدة زمعة فإنه ابني.
فاختصم فيه هو، وعبد بن زمعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال سعد: «يا رسول الله ابن أخي عتبة، عهد إلى أخي عتبة فيه إذا قدمت مكة، انظر إلى ابن وليدة زمعة فإنه ابني، ألا ترى يا رسول الله شبهه بعتبة؟» .
فقال عبد: «يا رسول الله أخي، وابن وليدة أبي، ولد على فراش أبي» .
فرأى النبي شبهًا بينًا بعتبة، فقال: (هو لك يا عبد بن زمعة. الولد للفراش، وللعاهر الحجر، واحتجبي منه يا سودة) لما رأى من شبهه البين بعتبة ...
فتبين أن الاسم الواحد ينفي في حكم، ويثبت في حكم، فهو أخ في الميراث وليس بأخ في المحرمية».
فالكفر الذي ينفيه ابن تيمية وابن القيم ومحمد بن عبد الوهاب -رحمهم الله تعالى- عمن وقع في عبادة غير الله، وهو الكفر الذي يستحق صاحبه العقوبة في الدارين، القتل في الدنيا، والخلود في النيران في الآخرة؛ وهذا لا يكون إلا بعد قيام الحجة الرسالية؛ لقوله تعالى: ?وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا? [الإسراء: 15] .
قال ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: «فإن حال: الكافر لا تخلو من أن يتصور الرسالة أو لا، فإن لم يتصورها فهو في غفلة عنها، وعدم إيمان بها، كما قال تعالى: ?وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا? [الكهف: 28] ، وقال: ?فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ? [الأعراف: 136] .
لكن الغفلة المحضة لا تكون إلا لمن لم تبلغه الرسالة، والكفر المعذب عليه لا يكون إلا بعد بلوغ الرسالة ...
فكل مكذب لما جاءت به الرسل فهو كافر، وليس كل كافر مكذبًا، بل قد يكون مرتابًا إن كان ناظرًا فيه، أو معرضًا عنه بعد أن لم يكن ناظرًا فيه، وقد يكون غافلًا عنه لم يتصوره بحال، لكن عقوبة هذا موقوفة على تبليغ المرسل إليه».