الصفحة 98 من 141

وهؤلاء العلماء يستخدمون لفظ الكفر بعدة اعتبارات، وبحسب ما يتعلق به من الأحكام، وذلك لأن الاسم الواحد قد ينفى ويثبت بحسب الأحكام المتعلقة به. فلا يجب إذا ثبت أو نفي في حكم معين أن يكون كذلك في بقية الأحكام، وهذا أمر مشهور في كلام العرب.

فالكفر قبل قيام الحجة له حد وأحكام، وبعد قيام الحجة له حد وأحكام أخر. وعليه فأحيانًا ينفون وقوع الكفر إلا بعد قيامها، وهم مع ذلك النفي يحكمون على فاعل الشرك الأكبر بالشرك، وخروجه من عداد المسلمين، وبالكفر الغير معذب عليه.

قال الإمام العلامة ابن تيمية في بيان هذا المعنى الهام: «وجماع الأمر أن الاسم الواحد ينفى ويثبت بحسب الأحكام المتعلقة به، فلا يجب إذا ثبت أو نفي في حكم أن يكون كذلك في سائر الأحكام، وهذا في كلام العرب وسائر الأمم، لأن المعنى مفهوم.

مثال ذلك: المنافقون قد يجعلون من المؤمنين في موضع، وفي موضع آخر يقال: ما هم منهم.

قال تعالى: {قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلاَ يَاتُونَ الْبَاسَ إِلاَّ قَلِيلًا} [الأحزاب: 18] الآية.

فهنالك جعل هؤلاء المنافقين الخائفين من العدو ... الناكلين عن الجهاد، الناهين لغيرهم، الذامين للمؤمنين -منهم. وقال في آية أخرى: ?وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ? [التوبة: 56] وهؤلاء: ذنبهم أخف، فإنهم لم يؤذوا المؤمنين ولا بنهي، ولا سلق بألسنة حداد، ولكن حلفوا بالله أنهم من المؤمنين في الباطن بقلوبهم، وإلا فقد علم المؤمنين أنهم منهم في الظاهر فكذبهم الله، وقال: ?وَمَا هُمْ مِنْكُمْ? وهناك قال: ?قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ?.

فالخطاب: لمن كان في الظاهر مسلمًا مؤمنًا، وليس مؤمنًا بأن منكم من هو بهذه الصفة، وليس مؤمنًا بل أحبط الله عمله فهو منكم في الظاهر لا الباطن.

ولهذا لما استؤذن النبي في قتل بعض المنافقين قال: (لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه) فإنهم من أصحابه في الظاهر عند من لا يعرف حقائق الأمور، وأصحابه الذين هم أصحابه ليس فيهم نفاق ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت