د ـ وإن مما يرجح أن سجود معاذ على وجه التحية لا على وجه العبادة؛ تصريح العلماء بأن هذا الأمر ظل مباحا إلى عصر النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد سبق أن نقلنا قول ابن كثير والقرطبي ـ رحمهما الله ـ وأشرنا إلى قول الجصاص في ذلك.
هـ ـ يقول الشيخ أبي العلاء بن راشد بن أبي العلاء الراشد ـ حفظه الله ـ في كتابه القيم"عارض الجهل وأثره في أحكام الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة": ـ
(فما فعله معاذ لا يعدوا أن يكون فعلا مباحا سائغا في شرائع من قبلنا، وليس فعلا كفريا حتى نقول أنه قد ارتكب الشرك جاهلا فعذر بالجهالة) اهـ [عارض الجهل وأثره على أحكام الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة ص: 549] .
أما قول صاحب رسالة"القول المبين في ضابط تكفير المعين":
(وإذا عذر معاذ ـ رضي الله عنه ـ بهذا على مكانته في الإسلام فإن من دونه أولي بذلك) [القول المبين في ضابط تكفير المعين ص: 4] .
فإن هذا الكلام من هذا الكاتب كان بالإمكان أن يكون له وجه اعتبار لو أن معاذا قد سجد بعد نص النبي صلى الله عليه وسلم بتحريم السجود على وجه التحية، أما وقد كان الفعل مباحا وقت سجود معاذ، ولم ينسخ إلا بعد بيان الشارع له بالنسخ والتحريم
فهو لم يرتكب محرما، ولا كفرا أصلا، وليس ذلك لجهله من عدمه ولكن لبقائه على البراءة الأصلية حتى وقت وقوع الحادثة، ونسخ النبي صلى الله عليه وسلم له بحديث معاذ نفسه.
وقوله أيضا (أي صاحب"القول المبين") ":"
(فإن قيل إن معاذا يعذر بهذا لأنه لا يفعل ذلك عبادة) [القول المبين في ضابط تكفير المعين ص: 4] .
فالجواب عليه:
أن معاذا لم يفعل أمرا محرما، ولا منهيا عنه شرعا حتى يحتاج إلى أن يعذر أو لا يعذر.
وذلك الفعل الذي صدر منه كان مباحا وقت فعله له، كما سبق وأن بينا ذلك.