وإذ لم يتطرق الشيخ المؤلف لتفنيد الاستدلال بهذه الآية، فسوف أتجشم الرد على ذلك بإيجاز واختصار، فأقول -وبالله التوفيق-:
الوجه الأول: جاءت القراءة (هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ) بالتاء وفتح الباء، قرأ بها علي بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل، وعائشة بنت أبي بكر، وابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، والكسائي وغيرهم، فتُحمل عليها القراءة الأخرى ..
قال الإمام الطبري رحمه الله:"قرأ ذلك جماعة من الصحابة والتابعين: (هل تستطيع) بالتاء (ربَّك) بالنصب، بمعنى: هل تستطيع أن تسأل ربك، وهل تستطيع أن تدعو ربك؟ أو هل تستطيع وترى أن تدعوه؟ وقالوا: لم يكن الحواريون شاكين أن الله تعالى ذكره قادر أن ينزل عليهم ذلك، وإنما قالوا لعيسى: هل تستطيع أنت ذلك؟".اهـ [جامع البيان 4/ 3113] .
وقال الإمام القرطبي رحمه الله:"قراءة الكسائي وعلي وابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد: (هل تستطيعُ) بالتاء (ربكَ) بالنصب".اهـ [الجامع في أحكام القرآن 8/ 284] .
عن ابن أبي مليكة قال: قالت عائشة: كان الحواريون لا يشكون أن الله قادر أن ينزل عليهم مائدة، ولكن قالوا: يا عيسى هل تستطيع ربك؟".اهـ [أخرجه ابن جرير في تفسيره 4/ 3113، وانظر تفسير ابن أبي حاتم 4/ 1243، والنكت والعيون للماوردي 2/ 82، ومعالم التنزيل للبغوي 2/ 323] ."
وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه، قال:"أقرأَنا النبي صلى الله عليه وسلم: (هل تَستطيعُ ربَّكَ) قال معاذ: وسمعت النبي صلى الله عليه وسلم مرارًا يقرأ بالتاء: (هل تستطيع ربك) ".اهـ [أخرجه بنحوه الترمذي (2930) ، والحاكم 2/ 238، وانظر: الجامع لأحكام القرآن 8/ 286] .
وعن سعيد بن جبير أنه قرأها كذلك: (هل تستطيعُ ربك) وقال: تستطيع أن تسأل ربك؟ وقال: ألا ترى أنهم مؤمنون؟ [أخرجه ابن جرير في تفسيره 4/ 3113، وذكره ابن حبان في الثقات 6/ 223، والسيوطي في الدر 3/ 231، وعزاه إلى ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وأبي الشيخ وابن مردوية، وذكره ابن عطية في المحرر الوجيز 2/ 259، والقرطبي في تفسيره 6/ 365] .
وقال الفراء:"معناه: هل تقدر أن تسأل ربك".اهـ [زاد المسير 2/ 277] .