الصفحة 57 من 141

وأختم الرد على هذه الشبهة بكلام نفيس للشيخ العالم المجاهد ـ نحسبه كذلك والله حسيبه ـ أبي محمد المقدسي فك الله أسره وثبته على الحق حتى يلقاه شهيدا:

حيث يقول:

(وكذلك حديث حذيفة المذكور؛(يُسرى على كتاب الله في ليلة فلا تبقى منه في الأرض آية) ، فهو إن صحّ يُحمل على أنّ هؤلاء الناس الذين لا يعرفون من الشرائع إلا هذه الكلمة محققين لمعناها غير مشركين بالله لأنّ الله لا يغفر أن يشرَك به.

أمّا تركهم الصلاة والصدقة والنُّسك؛ فإن كانوا موحِّدين فإنهم يعذرون بذلك لأنّ هذه الشرائع لا تُعرف إلا بالحجة الرسالية ... وقد ذكر الحديث أن كتاب الله يُرفع في زمنهم فلا تبقى منه في الأرض آية.

وكتاب الله هو الحجّة التي علّق الله النّذارة بها، فقال: {وَأُوحِيَ إلى هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ} ، فمن بلغه القرآن فقد قامت عليه الحجّة ومن لم يبلغه فإنه يُعذر بفروع الشريعة لكنه لا يُعذر بترك أصل التوحيد واتِّباع الشرك الصراح والتنديد.

لأن هذا أمر قد أقام الله عليه حجته البالغة من أبواب شتى - كما سيأتي بعد -.

وحال هؤلاء إن صحّ الحديث كحال زيد بن عمرو بن نفيل الذي كان قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلّم حنيفًا مسلمًا من غير أن يأتيه نبي فإنه حقّق التوحيد وكان على ملة إبراهيم كما في صحيح البخاري وكان يقول كما في رواية ابن إسحاق: (اللهم لو أعلم أحب الوجوه إليك لعبدتك به، ولكني لا أعلمه) .

فمثل هذا يعذر بتفاصيل الشرائع التي لا تُعرف إلا عن طريق الرسل فهو لا يدري كيف الصلاة أو الزكاة ولذلك يُعذر فيهما.

أمّا التوحيد؛ فلا ينجو إلا بتحقيقه لأنه حق الله على العبيد الذي بعث من أجله كافة رسله وأقام عليه الحجج المتنوعة.

وهذا كله يُصار إليه إذا كانت لفظة"تنجيهم من النار"مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلّم. لكنّ الصواب أنّها موقوفة مدرجة من قول حذيفة كما قرّره أهل العلم في الحديث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت