والأسْرار؛ لِيَعْمُرَ الكونَ والحياةَ؛ ولِيَقومَ بِحقِّ الله تعالى عليه؛ فانتَفَعَ بِذلكَ في خاصَّةِ نَفْسِهِ؛ كما انتَفَعَ بهِ في بِناءِ الأمم وتَشْييدِ الدول.
فانظُرْ إلى الإنسانِ كيفَ نَظَرَ في آحادِ المخْلُوقاتِ من الحيوانِ؛ وعَرَفَ أن بينَ أخلاقِها تَفاوُتًا؛ وأنَّ في أخلاقِها ما يُحْمَدُ وما يُذَمُّ؛ فتعلّم من هذه ومن تلك!.
فتراهُ وقد تَعَلَّمَ الشجاعَةَ منَ الأسد؛ والثباتَ والغارَةَ من الذئْبِ؛ والبكورَ في الحوائجِ من الخِنْزير؛ والكُمونَ من الفأرِ وبعضِ السِّباع؛ والتَّقدُّمَ أمامَ القطيعِ من الفيل؛ وعِزَّةَ النفسِ من الخيل؛ والأنَفَةَ من الجمل؛ والوفاءَ والنُّصْحَ للصاحبِ والأهلِ من الكلب؛ والتلَطُّفَ عندَ المسألَةِ من الهرَّة؛ والحذرَ من الغُراب؛ ونَحْوَ هذا.
وربُّما تَعَلَّمَ من هذه الأوصافِ ما يَحْتاجُ إلى اجتِماعِهِ في مَوضِعٍ واحد؛ كما قيل في صفةِ قائدِ الحربِ:
ينبَغي للقائدِ العظيمِ أن يكون فيه عشرُ خصالٍ من ضُرُوبِ الحَيَوان: سخاءُ الديك؛ وتَحَنُّنُ الدجاجةِ؛ ونَجْدَةُ الأسد؛ وحملةُ الخِنْزير؛ ورَوَغانُ الثعلب؛ وصبرُ الكلب؛ وحِراسةُ الكُرْكُيّ؛ وحذرُ الغراب؛ وغارةُ الذئب؛ وسِمَنُ بعروا (دابةٌ بِخُرَاسانَ تسمنُ على التَّعَبِ والشقاء) . وقد حُكِيَ هذا عن أبي إسحاقَ السُّرْمارِيِّ الإمامِ المحَدِّثِ المجاهِدِ شيخِ الإمامِ البخاريِّ، ونسبَهُ أبو حَيَّانَ في الإمتاعِ إلى حُكماءِ الترْكِ؛ والله أعلم.
وتراهُ على الضدِّ من ذلك وقدْ عَرَفَ مَذموم الأخلاقِ فيها: كالحقْدِ في الجملِ والفيل؛ والغدْرِ في الذئبِ؛ والرَّوَغَانِ والمكْرِ في الثعلب؛ والبلادةِ في الحمارِ؛ والظلمِ في الحيَّة؛ وشدة العداوةِ في العَقرب؛ والخبْثِ في القردِ؛ والحُمقِ في الحُبارَى (طائرٌ طويلُ العنقِ يشبهُ الإوَزَّة) ؛ والكذبِ في الفاخِتَةِ؛ واللؤمِ في الكلْبِ على الجيفَةِ؛ والعقوقِ في الضبِّ، وغيرِ هذا مما لم نذْكُرْهُ.
وكلُّ هذا يتعلم منه مَحَاسِنَ الأخلاقِ ومَساوِئَها؛ حتَّى قيلَ: إن الإنسانَ صفْوُ الجِنْسِ الذي هو الحيوان.
وتأمَّلْ حالَ الإنسانِ وهو يتعلَّمُ منَ النَّملِ الصبرَ والمثابَرةَ على العَمل؛ ومنَ النَّحْلِ الأمانَةَ في الأخذ والعطاء، ويتعلم من هاتينِ الأمَّتَينِ الهَندسةَ والتعاونَ في البِناءِ؛ وسياسَةَ الأممِ وإقامَةَ الدول.