والإخلاصِ والرياء؛ والغضبِ والرضا؛ ونحوِ ذلك، وإنما سُمِّيتْ بالغَضَبِيَّةِ لأنّ الغَضبَ هو الصفةُ الغالِبَةُ على هذه القوة، ولأنَّها أعظم أثَرًا على النفسِ من غَيْرها، وهي من أعظمِ أسبابِ بقاء النوعِ الإنسانِيِّ وسعيِهِ في الحياة!؛ وما يقع بين الناسِ والأمم من التنافُسِ والحروبِ فإنما هيَ المُحَرِّكُ له؛ والسرُّ الكامِنُ وراءَهُ!، ولذا نبَّهُ الشارِعُ على خَطَرِها في قولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم لِمنْ قال له أوصِنِي: فقال: لا تغضب.
وأعجَبُ العجبِ في هذه القوةِ أن الإنسانَ لما كانَ مَخْلوقًا من مادةِ الأرضِ التي هي الطينُ والتراب؛ كان شأن الأنسانِ كشانِ أُمِّهِ الأرضِ التي خُلِقَ منها وإليها يعودُ؛ فإن العلماء قد ذكروا أن الأرضَ مَخْلوقَةٌ مَدْحُوَّةٌ على هَيئةِ البَيْضة؛ وأنَّ الحرارةَ في داخِلِها تزدادُ كُلَّما ازدادَ العمقُ في باطِنِها؛ وتَنْصَهِرُ الموادُّ في باطِنِها لِشدَّةِ حرِّها كما يُشاهَدُ من البراكينِ إذا ثارت، وهكذا شأنُ القوة الغضبيةِ في النفس البشريَّةِ كلما سَبَرْتَ غَوْرَها وكشَفْتَ عن أسرارِها وَجدْتَها أكثرَ تعقيدًا واضطِرابًا وأعْسَر على الفهمِ وأحوجَ في الكشفِ عن عِلَلِها وآفاتِها إلى دِقَّةِ النظرِ وسَعَةِ الإدراك!، ولِذا كانَ تَرْويضُ النفسِ وتَهْذيبُها وتطهِيرُها من الأدناسِ القلْبِيَّةِ التي تعْلَقُ بها أَمْرًا شاقًّا على النفسِ؛ ولهذا كانَ لا سبيلَ إلى إصلاحها إلا عن طريق الشرع؛ معَ أنَّ سعادةَ الدنيا والآخرةِ موقُوفَةٌ على صلاحِ الأحوالِ القلْبِيَّةِ، والله المستعان.
وهذه القوّةُ الغضبِيَّةُ من بعدُ إنْ هَذّبَها الشَّرْعُ وكانَ الحاكِمَ عليها كان الإنسان معها عُلْوِيا؛ وارتَقى بِها المرْءُ إلى مراتِبِ الصدِّيقين؛ وسَرَحَ العقلُ مَعَهَا في مجالِ النَّظَرِ بقدرِ ما يُسَرِّحُهُ النقلُ؛ وإلا كانتْ حجابًا يحولُ بينَهُ وبينَ مُشاهَدَةِ مَلَكُوتِ السماواتِ والأرضِ وآلاءِ اللهِ تعالى و نِعَمِه.
فإن غلَبَتْ صاحبَها؛ ومَلَكَتْ خِطَامَهُ وزِمامَهُ انحَطَّتْ بِهِ إلى أَسْرِ القُوَّةِ الشهوانِيةِ؛ فأثقَلَتْهُ بِقُيُودِها؛ وصارَ عَبدا آبِقًا مسَخَّرًا لخِدْمَتِها؛ فاستَحقَّ دُعاءَ النبيِّ صلى الله عليه وسلَّم فيما رواهُ البخاريُ في الصحيحِ عن أبي هُرَيرَة رضي الله عنه: تَعِسَ عبدُ الدينارِ؛ وعبدُ الدِّرْهَمِ؛ وعبدُ الخَمِيصَةِ؛ إنْ أُعْطِيَ رَضِيَ وإنْ لم يُعْطَ سَخِطَ؛ تَعِسَ وانْتَكَسَ وإِذَا شِيكَ فلا انْتَقَشَ ... الحديث.
وما أَحسَنَ ما قالَهُ بعضُ الحكَماءِ لما ضَرَبَ للإنسانِ مَثلًا فقالَ لصاحبِهِ: أما تعلمُ أن الحَمامَ إذا كان سَمائيًّا كانَ أَغلى ثَمَنًا؛ وإذا كانَ أرْضيًا كانَ أقَلَّ ثمنا!.
وانظرْ بعد هذا كلِّهِ في شأنِ الإنسانِ معَ ما سَخَّرَ الله تعالى له مِمَّا في السماواتِ والأرضِ جميعًا منه؛ وكيفَ أَلْهَمَهُ الانتِفاعَ بِهِ والكشْفَ عَمَّا أوْدَعَهُ فيهِ من المنافِعِ والحكِمِ