مجلَّدٍ إن شاء الله.
ثم لما منّ الله تعالى علي بالهجرةِ الْمَيْمُونَةِ من نَحْوِ سَبْعَةِ أعوامٍ عَقَدْتُ فِي ثَغْرِ كابُلَ ردَّها الله إِلَى المسلمينَ مَجالِسَ حديثيّةً في سُنَنِ أبي داود؛ معَ إملاء كثير من الفوائد على الطلاب، فتمَّ تمامُه بحمدِ الله تعالى في نَحْو خَمسين مجلسًا، معَ إثباتِ السماعَاتِ لكُلِّ مَجْلسٍ ولِمَنْ حَضَرَ من الطلاب، ثم في سننِ الترمذي؛ فتمّ بحمد الله في نحو خمسة وخمسين مجلسًا، سوى أحاديث يسيرةٍ تستغرق مجلسًا واحدًا حال دونَ تَمامِه هذه الحربُ الصليبية فَلَعْنَةُ الله علَى الظالمين، وقدْ حَضَرَ جميعَ مجاِلسِ الكتابينِ ولَدي نفعَ الله بهِ، وأَضَفْتُ إلِى هذا كلِّه إِسْمَاعَ الطلاب كثيرًا من الأجزاء الحديثية، ودروسًا في النحو والمصطلح وأصولِ الفقه، واستمرَّ الحالُ على ذلك عامًا كاملًا أو يزيد، وأَعْقِدُ فِي الغالب مجالسَ الدرْسِ والإِمْلاءِ من بعد صلاة الفجر إلى قربِ الظهرِ وربما استمرَّ الدرس إلى ما بعد الظهرِ وأحيانًا إلى المغرب، وفي رَمَضانَ مِنْ بَعْدِ التراويحِ إلَى صلاةِ الفَجْر، والحمد ُلله كثيرًا كثيرا.
وقد اختار الله تعالى كثيرًا من التلامذة المذكورينَ وقُتِلُوا أَوائِلَ هذه الحمْلَةِ الصليبيةِ دِفَاعًا عَن الدين وصيانةً للحُرُماتِ، رَحِمَهُم الله وتَقَبَّلَهُمْ مِنَ الشهداء؛ وجَمَعَ لَنا ولَهُمْ بَيْنَ شَرَفَي العلمِ والجهاد فِي سبيله إنه تعالى جواد كريم.
ومما فتحَ اللهُ بِهِ عليَّ بَعْدَ أَنْ اشْتَدَّ عُودُ العلم واسْتَوى على سُوقِهِ ورَزَقَنِي اللهُ تعالى ما أُمَيِّزُ بهِ بين الحقِّ والباطلِ والصواب والخطأِ أنْ سَلَكْتُ مَسْلَكَ كَثيرٍ مِنْ مُتَقدِّمِي العلَماءِ فِي الطلب، وهو أننِي لا أَدَعُ علمًا إلا وَوَلَجْتُ بابه؛ حاشا علمًا دلّ الشرعُ علَى حُرْمَةِ النظر فيه كالسحْرِ والتَّنْجِيمِ ونحوِ ذلك، وما سوى ذلكَ فالقاعِدَةُ فيه ما ذكَرَهُ الشوكانِيُّ في أَدَبِ الطلَبِ؛ وهوَ مِنْ نفائِسِ كُتُبِهِ أنَّ العْلْمَ بالشيءِ أولَى مِن الْجَهْلِ بِه، ومتَى كانَ الطالِبُ عالِمًا بالفَنِّ كان حاكمًا عليه، فإنْ جهلِهُ كان محكومًا علَيْهِ! وشتانَ بَيْنَهُما، ولكِنْ يَنْبَغِي أَنْ لا يُقْدِمَ الطالِبُ علَى ذلكَ حتّى يَتَشَبَّعَ بِمَعْرِفَةِ مذاهبِ أهْلِ السنةِ والْجَماعَةِ رَحِمَهُمُ الله وما كان عليه سلَفُ الأمة عقيدةً وعبادةً وفقهًا وسلوكًا حذرًا منَ الوقُوعِ فِي مسالك البدَعِ ومَداحِضِ الأهواء.