وهي اكتسابٌ لخلقِ التواضع الذي يرفع به الله من يشاءُ من عباده؛ فإن طلب الإجازة لا يزال يُشْعِرُ الطالبَ بأنه ما أوتي من العلم إلا قليلا؛ وأنه مهما علِم فإنه لا يزال جاهلا؛ فلا يزالُ يَلْهَجُ لسانُهُ بقول الحق تبارك وتعالى: ربِّ زدني علما، ولذا كان في السلف من استجازَ الشيوخَ بَعْدَ الأربعين؛ ومنهم بعدَ الخمسين؛ بل ورأيتُ من اسْتَجَازَ وقد جاوزَ التسعين!، وقد قال البخاري رحمه الله: لا يكونُ المحدث محدثا حتى يرويَ عمن هو فوقه ومن هو مثله ومن هو دونه، ورُويَ نحوه عن ابن المديني رحمه الله.
واستطرادًا أقول: لقد رأيت كثيرا من حملة العلم ممن لم يتلقاه عن الشيوخ ولم يرفع باستجازتهم رأسًا؛ فرأيت الوصفَ الجامعَ لكثيرٍ مِنْهُمْ ضِيقَ الصدْرِ وشراسَةَ الخُلُق وحدَّة الطبع؛ ومنهم مَن ابْتُلِيَ معَ هذا بالتعالِي على الأَقْرَانِ؛ بلْ على أهْلِ العلْمِ كافَّةً، ولستَ تَجِدُ ولله الحمدُ شيئا من هذا فِيمَنْ أخذَ العلمَ عن أهلِهِ؛ وأسندَ الرُّكَبَ إلى الرُّكَبِ؛ وفي ذلك ذكرى للذاكرين.
الفائدَةُ العاشِرَة:
وإذا تأمّلْتَ حالَ المُجِيزِينَ عَنِ المُجِيزينَ فِي الأعْصارِ والأمْصارِ المُخْتَلِفَةِ رأَيْتَ مَجْمُوعَهُمْ في كلِّ طَبَقَةٍ عَدَدًَا يَحْصُلُ بِهِ التواتُرُ المَعْنَوِيُّ والحِسِّيُّ في كَثِيرٍ من المَسائل، نَعَمْ هُوَ مِنَ التَواتُرِ الخاصِّ الذي يَحْصُلُ لأهْلِ الفَنِّ؛ كالتواتُرِ الحاصِلِ في بَعْضِ الأحاديثِ النبَوِيَّةِ، وفِي هذا الوَجْهِ رَدٌّ على مَزَاعِمِ كثيرٍ مِن الطاعِنِينَ في السنَّةِ مَنَ الذينَ كَثُرَ ظُهُورُهُمْ في هذهِ الأزْمِنَةِ المُتأخِّرَةِ لا كَثَّرَهُمُ الله.
وهذا ما عَنَّ لِي والعِلْمُ عِنْدَ اللهِ تَعالَى.
وحادِي عَشَرَ الفَوائِدِ:
أنَّ الإجازاتِ قَدْ حَفِظتْ لنا كَثيرًا مِنْ تَراجِمِ العُلُماءِ والأشْياخِ وجانِبًا مِنْ سِيَرِهِمْ ورَحَلاتِهِمْ وطَلَبِهِمْ للعِلْم ومِناهِجِهِمْ في الطَلَبِ ونَحْوِ ذلكَ مِنَ الفوائدِ التي لا تَعَدُّ ولا تُحْصَى، فإذا رأيْتَ العَالِمَ مِنْ بِلادِ السنْدِ مَثَلًا يَقُولُ: أخْبَرَنا عَبْدُ الحَقِّ الهاشِمِيُّ المُهاجِرُ المَكِّيُّ بِها .... عَلِمْتَ مِنْ هذا أنَّ الراوِيَ ارْتَحَلَ إلى مَكَّةَ؛ وأنَّهُ سَمِعَ مِنَ الشيخِ هُناك؛ وأنَّ الشيخَ مُهاجِرٌ إلَيْها، ونَحْوَ ذلكَ مِنَ الفوائدِ التي لا يَخْفَى خَطَرُها ونَفْعُها للمُحَدِّثِ والمُؤَرِّخِ وغَيرِهِمْ.
بلْ إنَّ جَمْعًا مِنَ العُلَماءِ لَمْ يُعْرَفُوا إلا بِما صَنَّفُوهُ مِن الإجازاتِ؛ إذ لا تَصانِيفَ لَهم سِواها، وفِي أعْلامِ الزِّرِكْلِيِّ خاصَّةَ ذِكْرٌ لِنَفَرٍ مِنْهم.
وثانِي عَشَرِها:
أنَّها داخِلَةٌ في عُمُومِ قولِهِ تعالى: {إنا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} ؛ فإنَّ مِنْ حِفْظِ الكِتابِ حَفْظَ سَنَّةِ المَعْصُومِ صلواتُ اللهُ وسلامُهُ عليه؛ إذ هِيَ بَيانٌ لَه وتَفْصيلٌ لأحْكامِه، ثمَّ حِفْظُ السنَّةِ مِن طَريقَينِ: نَقْلِها عن النبيِّ صلَواتُ اللهُ وسلامُهُ عليهِ بإسنادٍ مُتَّصل، وبيانِ فِقْهِها عِلْمًا وعَمَلًا، ولذا كانَ هذا من الفضْلِ التي امتازَتْ بهِ أمةُ الإسلام على غَيْرِها من الأمم، وقدْ قرأتُ في بعضِ المواضِعِ أن الأُمَمَ الأُورُوبِيَّةَ