تسرب إلى المسلمين الفرقان بين الدنيا والدين, فصار يقال؛ هذا حكم السلطان وهذا حكم الرحمن, وهذا علم الآخرة وذلك علم الدنيا, وصاروا يميزون بين ما يكسبون به الدنيا وما يكسبون به الدين.
وغفلوا عن كون أعمال الدنيا كلها التي يراد بها وجه الله والفوز بالآخرة وإحقاق الحق وإبطال الباطل, ونصرة الشريعة ودحر كل ملة ونحلة شنيعة إنما هي الدين بل من صميم الدين!
فليس الدين منحصرًا في صلاة أو صوم أو تلاوة أو ذكر.
وليس الدين في الاعتزال في الكهوف ورؤوس الجبال، وزعم أن سعي المرء في تحصيل مصالح رعيته وأمته مناف للتقوى، مضاد لها!
وليس من الدين تحطيم العزائم على عتبات الخمول والكسل وترك السعي والعمل توكلًا على الله!
بل من الدين شحذ الهمة والتطلع إلى معالي الأمور، كما قيل:
له هِمَمٌ لا منتهى لكبارها وهمته الصغرى أجلُّ من الدهر
وأن نعلم أن الأخذ بالأسباب العلمية والعملية واستيفاء المقدور عليه منها من أعظم الجهاد في سبيل الله، إذ الجهاد في سبيل الله لا يتم إلا بها, وما لا يتم الشيء إلا به فحكمه حكمه [1] , وفي الأخذ بها عزة الإسلام وأن يكون ظاهرًا غالبًا منصورًا, وذلة الكفر وأن يكون مقهورًا مدحورًا.
ولو أن النصر يُجْلَب مع ترك الأخذ بالأسباب؛ لكان أولى الناس به رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أوذي في سبيل الله, وأخرج من أحب البلاد إلى الله, وكان يبعث السرايا والعيون والطلائع, وخرج بنفسه للغزو في نحو سبع وعشرين غزوة, واختفى في الغار, وظاهر بين درعين يوم أحد, وأمر بحفر الخندق يوم الخندق ... وغير ذلك.
ثم إن لازم ما يظنه الجُهَّال من حصول النصر مع إهمال الأسباب أو إهمال السعي في تكميل الناقص منها؛ أنهم أكرم على الله من صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم إذ أخرجه إلى الغزوات فنصره، فأما هم فينصرهم وهم قاعدون خاملون!
(1) فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب, وما لا يتم المستحب إلا به فهو مستحب, وما لا يتم الحرام إلا به فحرام ... إلخ.