فهرس الكتاب

الصفحة 150 من 210

الخلاف, ودراسةُ السيرة والتاريخ؛ للمتعة والراحة من عناء علوم الآلة التي بذلت فيها الأعمار على حساب علمي الكتاب والسنة وتأمُّل ما فيهما من الدعوة إلى النظر في الآيات الكونية والعجائب الآفاقية التي أودعها الله تعالى في هذه الحياة الدنيا، لا لتكون وسيلة إلى الإيمان بالخالق سبحانه فحسب - كما يظن كثيرون - بل ليدل سبحانه الخلق عليها ويلفت أنظارهم إليها, وإلى ما حوته من أسرار العلم وكنوز الحكم فتُجْتلى مخبآتها, ويرتع الراتعون في ساحاتها ويستنبطوا منها ما به عمارة الكون ونصرة الدين [1] , كما في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَآء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} , وقوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} , وقوله تعالى: {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ} , وقوله تعالى: {وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلاَلًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ} , وقوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ} , وقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ} .

وغير ذلك في آيات كثيرات جدًا تبلغ سبعمائة وخمسين آية! أَفَتَرى هذا كله ذكر في الكتاب ليدل المسلم على أن الله هو الخالق تعالى لهذا الكون ولا شيء سوى ذلك؟! أم تراه سبحانه ذكر في الكتاب إنزال الحديد ليغفل المسلمون عنه ويدعوه لأعداء الدين؟!

فليت شعري لِمَ أعرضت أمة المسلمين عن هذا كله وغرقت في بحر لجي من مسائل الخلاف يغشاه موج من الجدليات والفرضيات, من فوقه موج من الجهالات ظلمات بعضها فوق بعض لا نهاية لها ولا طائل وراءها؟!

أما سلفنا رحمهم الله؛ فقد أدوا ما عليهم علمًا وعملًا, ومن طالع كتاب"كشف الظنون في أسماء العلوم والفنون"لحاجي خليفة, و"أبجد العلوم"- المجلد الثاني منه - لأبي الطيب البخاري، رأى فيهما من أنواع العلوم المحصلة لسعادة الدارين والتي صنف فيها علماؤنا نحو خمسمائة علم أو يزيد، هي قاعدة العلوم وأساس النهضة الأوروبية الحديثة وحقنا المنهوب.

وأما أجيال المسلمين في القرون الأخيرة؛ فحقروا ذلك كله ونسوا أنه ميراث الآباء والأجداد وأنهم أهله وأحق به, وعم الجرم وتفاقمت المصيبة ونشبت مخالب الضلالة لما

(1) وما أحسن ما قال العلامة البنوري في"يتيمة التبيان" [ص27] : (وربما يدور بالبال أن الله أظهر من مكنون علوم القرآن في كل عصر ما كان أهل العصر في فقر إليه وفاقة, وحنت إليه النفوس من بعد ما كانت مشتاقة ... ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت