فهرس الكتاب

الصفحة 149 من 210

العلم والغاية من الحياة:

لا يُعْلَمُ لدينٍ من الأديان، ولا لأمة من الأمم، من الإقبال على أنواع العلوم الجامعة لخيري الدنيا والآخرة ما يُعْلَم لأمة الإسلام والمسلمين, ولا أدل على ذلك من نفائس الكنوز وعرائس العلم المكنوز من المخطوطات التي خلفها آباؤنا الأولون في شتى صنوف العلم وأبوابه من تفسير وأصوله, وفقه وأصوله, وحديث وأصوله, وتاريخ وسير وطبقات وتراجم ولغة ونحو وأدب وشعر وطب وهندسة وهيئة ومساحة ونجوم وفلك, وغير ذلك والتي يبلغ عددها في أنحاء العالم - دون ما فقد منها على تدافع المحن وكر الخطوب - نحو ثلاثة آلاف ألف مخطوط 3.000.000 - كما رأيته في بعض تصانيف العلامة الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد نفع الله به، وإن كنت أظن العدد أكبر من ذلك, فقد اطلعت من نحو عشر سنين على كتاب قديم الطبع ذكر فيه أن المكتبة العامة في كابل تحوي نحو 500.000 مجلدة من بينها آلاف مؤلفة من المخطوطات، وقد فقد أكثرها في الثلاثين عامًا الأخيرة بعد الاعتداء الشيوعي على أفغانستان -

وعلى كل حال فإن أكثر هذا قد أصبح نهبًا في خزائن الصليبيين بعد سلسلة من الحملات لاستكشاف مجاهيل العالم الإسلامي التي كانت خافية على أوربة، حتى دخول الجيوش العثمانية القسطنطينية سنة 857, هنالك أيقن رجال أوربة وزعماؤهم ومفكروهم الذين كانوا قد عملوا على الإطاحة بدولة الإسلام في الأندلس آمادًا متطاولة؛ أن السر الكامن وراء قوة المسلمين واندفاعهم لم يطلعوا عليه بعد، فقرروا اختراق صفوف العالم الإسلامي برحلات الاستكشاف الجغرافية وحملات الاستشراق ودعاة التنصير، بل وعن طريق البعثات التي تمثل الدول، وكانت ثمرة هذا كله بعد ذلك الحملات الصليبية التي قضت على الخلافة العثمانية ومزقت دولة المسلمين ونهبت خيراتهم [1] .

وكان مِمَّا آل إليه حال المسلمين إذ ذاك؛ أن تعاظم الخلاف بينهم - لأسباب نذكرها في رسالة"جناية التقليد على الكليات الخمس"- فانصرفت العقول واتجهت الأفكار إلى الانتصار للشيخ والجماعة والقول والمذهب، فأنفقت في ذلك الأعمار وخارت الهمم وانحطت العزائم، وحل اليأس والتشاؤم وفقد الأمل والرجاء.

ونشأت أجيال تلو أجيال استمرأت ما رأت واعتادت ما ورثت وألفته, وسهلت عليها مخالطته، إذ النفس نزاعة إلى الراحة والقعود والكسل, فظن كثير من هؤلاء أن ما هم عليه هو الغاية من الدين والعلم, فالفقه؛ محصور في العبادات والمعاملات وتحقيق مسائل

(1) قال العلامة السندي في التمهيد: (كان فتح القسطنطينية على يد السلطان محمد خان الفاتح في سنة 857 مبدأ للدور العجمي الخالص في مراكز الإسلام وكذلك كان مبدأً للدور الارتقائي في أوربا) [ص31] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت