أبغض خلق الله إليه, وكان من شأن بني إسرائيل أن خالطوا الفراعنة في مصر فأشربوا عاداتهم الوثنية وحب العجل, وقدسوا أصنامهم, ولصقت بهم تقاليدهم وطباعهم؛ شأن المغلوب مع الغالب, والضعيف مع القوي, والصغير مع الكبير, والجاهل مع العالم.
وكذلك حال النصارى، وكيف كانت عقيدة التثليث, ودعوى قتل المسيح, وصكوك الغفران؛ وسيلة لصرف الناس عن الغاية العظمى, والتداعي إلى الرذيلة, وانتشار الظلم والقتل والعدوان في الأرض.
وهكذا الحال في عقائد الهنادكة والفرس وقدماء المصريين، كما قال الله تعالى عنهم في اعتقادهم ربوبية فرعون, والحال الذي كانوا عليه من الذلة والاستضعاف والقتل والاستحياء بسبب ذلك.
هكذا الأمة الإسلامية، لما خالطت غيرها من الأمم وتسربت إليها عقائدهم الفاسدة، وحُشيَ التوحيد بالفلسفة الناقصة المشوهة؛ نسوا حظهم من الحكمة وحقهم في الوجود وناموا في مهود المذلة والهوان, وسكنوا لحود الشقاء والحرمان - والله المستعان - [1] .
ومقالاتنا هذه محاولة لكشف هذا الرَّان, وسعي لتبديد حجب الجهالات لتَمْثُلَ الحقيقة أمام العيان, وبالله التوفيق.
(1) وهاك مثالًا واحدًا لأثر العقائد الدخيلة على الأمة؛ عقيدة وحدة الوجود وأثرها على استقرار الإسلام السياسي وأمر السلطنة في الهند, فقد ذكر المؤرخون أن السلطنة الإسلامية ما استقر أمرها في الهند إلا في المائة السابعة, وقد اختلف المؤرخون في سبب ذلك فذكر الأستاذ ذكاءُ الله الدهلوي المؤرخ في كتاب صنَّفه بـ"الأوردية"؛ أن ذلك لما عرف عن أهل البلاد الهنود من الشجاعة والإقدام مع كونهم فرقًا وجماعاتٍ تنافست في الدفاع عن البلاد والممتلكات, وفي صحة هذا الجواب نظر, فقد اعْتُرِض بأن الأفغان مثلًا لا يقلون في الشجاعة عن نظرائهم من الهنود, ومع ذلك فإن استقرار الحكم والسلطان للإسلام كان فيهم مبكرًا.
والصواب في الجواب ما ذكره العلامة عبيد الله السندي في"التمهيد لتعريف أئمة التجديد" [ص54] ، إذ قال: (وعلى كل حالٍ ليست أسباب التأخر منحصرة فيما ذكره المؤرخ, بل لابد عندي من علاوة, وهي أن الإذعان بفلسفة وحدة الوجود كان غالبًا على ذهنية الهند عامتهم وخاصتهم, وكانت جميع إدارة المذاهب القومية والوطنية مع اختلاف الأصناف مبنية على تلك الفلسفة منذ أزمان بعيدة ... ) .
ثم أيد ذلك؛ بأن الأمر المذكور لم يقع في بلاد كان أهلها على دين اليهود والنصارى ويقدرون على فهم العربية فإنهم يسهل عليهم فهم دين الإسلام لأنه ارتقاء لما جاء في التوراة, ومراده أن القول بوحدة الوجود غايته إسقاط التكليف عن العبد إذ معناه أن الخالق هو المخلوق وأن الإنسان هو الله - تعالى الله عن ذلك - وهذا منافٍٍ لما يقتضيه الإسلام من الإذعان والتسليم، فهذه العقيدة هي التي أثرت في استقرار الإسلام السياسي في الهند, والله أعلم.