الدعاء إلى الخير, وهو شامل لكل ما فيه صلاح ديني أو دنيوي, والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وهو أخص من الأول.
فعلم من جملة ما قدمناه أن الأمة المسلمة مع غيرها من الأمم كالآباء مع الأبناء, وكالمعلم مع التلميذ، بل كالأمير مع المأمور؛ لهم الأمر والنهي والحل والعقد والحكم وفصل الخطاب, وحقيق بمن كانت هذه مرتبته وقد تعينت بين الأنام منزلته أن يكون قدوة للبشرية كلها في العلم والعمل, مضطلعًا بما أوكل إليه من مهمة الاستخلاف في الأرض, موقنًا بأن هذا حق له وحده لا يسمح لغيره أن يشاطره إياه أو يشاركه فيه؛ ناهيك عن انتزاعه منه, وإنما ثبت الحق لأهل الإسلام باصطفاء رب الدار واستخلافه إياهم, فهم مستأمنون على كل ما آتاهم إياه مما به قوام مصالح الدارين، لا يجوز لهم التفريط فيه ولا التخلي عن شيء منه، فإنهم إن فعلوا ذلك وأهملوا ما أوكل إليهم ولم يقوموا به كان لرب الدار أن يستبدلهم بغيرهم ممن هم أعلم بأمره وأقوم بحقه.
عقيدة التوحيد والغاية من الحياة:
فإنها لب الإسلام وجوهره بها يتحرر المرء من العبودية لغير الله تعالى, فلا يخاف إلا الله, ولا يرجو إلا الله, ولا يتوكل إلا عليه: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ، وعلى قدر صفائها يكون الانطلاق والعمل [1] .
ولما كان تسرب الفساد إلى العقيدة من أعظم الأسباب التي تحول بين الأمم وبين بلوغ الغاية المطلوبة والهدف المنشود؛ اتجهت عناية أئمتنا رحمهم الله إلى نفي كل دخيل عنها وتطهيرها من كل شائبة تعرض لها، حتى لقوا في سبيل ذلك ما لا يضيع عند الله تعالى أجره, جعلنا الله تعالى على الأثر ووفقنا لخدمة الإسلام والمسلمين.
وإن شئت فتأمل في حال الأمم الأخرى كاليهود، وكيف كانت عقيدتهم - بأن عزيرًا ابن الله, وأنهم أبناء الله وأحباؤه, وأنه ليس عليهم في الأميين سبيل, وأنه لن تمسهم النار إلا أيامًا معدودات, وأنه لن يدخل الجنة سواهم - سببًا في إفسادهم في الأرض حتى صاروا
(1) وللتوحيد أثر عظيم في تعليم العبد الاعتماد على النفس بعد الله تعالى, فإن الرجل إذا كان يعتمد على غير ربِّه وخالقه وبارئه في جلب المنفعة ودفع المضرة لا يكون اعتماده على نفسه كاملًا - ذكر معناه العلامة عبدالله السندي في"التمهيد": ص42 -