فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 210

أحسبُ أنْ لا وُجُودَ لِهذا إلا فيما كنت أقرأه في كتب السير وأخبار الفتوح أيام الصبا!، فَعَزَمْتُ على التوِّ على تَرْكِ الدراسة والرَّحِيلِ مهاجرًا إلى الله تعالى وللجهاد في سبيله، وشاء الله تعالى في هذه المدة أن أتعرف إلى فضيلة أخينا الكبير العلامة الشيخ شمس الدين السلفي الأفغاني، وهو من ولاية كونر في أفغانستان، حدثنا أن والده كان يعتني به في طلب العلم منذ الصغر، وكان يعلمه الخطبة على المنبر وله من العمر سبع سنين أو نحوها، وقد أَطْلَعَنَا على بعض مصنفات له بالعربية وله من العمر دون العشرين، ومن تصانيفه المشهورة كتاب له في الرد على عقائد الماتريدية، وكتاب آخر في جهود علماء الأحناف في محاربة الشرك والبدعة، فكنا نقصده بالزيارة ومعنا بعض كبار إخواننا من الطلبة وعلى رأسهم الشيخ أبو دجانة محمد بن عثمان المصري رحمه الله، ونمكث عندَهُ أيامًا بين المدة والمدة فِي مَكْتَبَتِهِ العامرة بالمدينة المنورة، فأَفَدْنَا منه ومن مكتبته رحمه الله، ومما كان يقصه علينا من أخبار الجهاد والمجاهدين وأضرم فيّ نيران الشوق إلى الرحيل، وقدر الله عزوجل أن يتأخر الرحيل إلى أوائل عام (1407) ، وكنت قبل سفري بأشهر يسيرة قد لقيتُ الشيخَ أبا محمد عزام فحدثته بما عزمت عليه فأرشدنِي وإرشادُهُ أمرٌ رحمه الله إلى الطريق الذي يَنْبَغِي أنْ أَسْلُكَهُ وساعدنِي في تيسير بعض أسبابه

وكان ما كان مما لستُ أذكره ... فظن خيرًا ولا تسأل عن الخبر

ولما وصلت إلى الثغور لم أكن أملك ولله الحمد إلا نفسًا تواقةً إلى العلم وأهله والجمع بينه وبين الجهاد في سبيل الله تعالى، وكنت قد خلَّفْتُ ورائي مكتبةً صغيرة لم يبقَ منها بين يدي اليوم غير كتاب الروح لابن القيم رحمه الله، إلا أن الله تعالى أحسن إِلَيَّ فَرَزَقَنِي عِوَضًا عنها مكتبةً أُخْرَى بَعَثَ بِها إليَّ بعضُ الإخوان بعدَ شهرين من سفري هي نواةُ مكتبتي العامرةِ اليومَ فَلِلَّهِ الحمدُ والمنة.

وكان من أعظم ما يشغل بالي أن لا أنقطعَ عنِ الطلب، وسألتُ الله جل وعلا أن يجمعَ لي بين شرف العلم وشرف الجهاد في سبيله، وزادني حرصًا على متابعة الطلب أني لما قدمت إلى الثغورِ وجدتُها مضطربة تموجُ مَوْجَ البحر بالمناهِجِ والجمَاعاتِ والأَفْكارِ، والعلمُ فيها قليلٌ لا يكادُ يُذْكَرُ، إلا ما كان من الشيخ أبِي محمد عبدِ الله عزام رحمه الله، فكنت مع هذه العواصف الهوجاء كالسنبلةِ تُميلها الريح تارة وتستقيم أخرى، بيد أني أقول تحدثًا بنعمة الله تعالى: لقد منّ الله سبحانه علي منذ النشأة الأولى في الطلب فتشبعت بمذهب السلف أهل الحديث رحمهم الله، وسلكتُ سبيلَهُم عقيدةً وعلما وعملا، وما أعلم شيئًا بعد الشرك بالله تعالى أبغضَ إليّ من التقليد لأحَدٍ مِنَ الخلق كائنًا مَنْ كان، فمن زَعَمَ شيئًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت