فهرس الكتاب

الصفحة 103 من 210

كخايضِ الوَحْلِ إذ طال العنادُ به كلما قَلْقَلْته نَهْضَةً رَسَبَا

والكمال في التربية وتهذيب الأخلاق على مراتب، وما من مرتبة إلا وفوقها مرتبة أشرف منها وأعلى حتى يبلغ ذلك مقام نبينا صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه ربنا سبحانه وتعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} ، فإن كان الجهاد - ومنه جهاد الدفع - يعطَّل ولا يجوز حتى يحصَّل الواجب من هذه المراتب فقد مضى ما فيه! وإن حدَّ فوق ذلك حدًا ينتهي الناس إليه فيصير معه الجهاد واجبًا أو جائزًا وإلا فلا؛ فتحكم بلا دليل! ولا يبق إلا أن يقال: لا جهاد حتى يبلغ جميع الأمة منزلة النبي صلى الله عليه وسلم ولا قائل به - ولله الحمد -

ثم إن علماءنا رحمهم الله قد اتفقوا على أن من أصول أهل السنة والجماعة؛ القتال مع كل بر وفاجر، ومعناه أن فشو المعاصي وظهورها ليس مانعًا من القتال والجهاد في سبيل الله، وأقوالهم في ذلك أشهر من أن تذكر في هذا الموضع.

وحسبك منه ما قاله أبو بكر الرازي رحمه الله في قوله تعالى: {وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ} : (فإن قيل: هل يجوز الجهاد مع الفساق؟! قيل له: إنَّ كلّ واحد من المجاهدين فإنما يقوم بفرض نفسه فجائزٌ له أن يجاهد الكفار وإن كان أمير السرية وجنوده فساقًا، وسائر الآي الموجبة لفرض الجهاد لم يفرق بين فعله مع الفساق ومع العدول الصالحين، فالله تعالى لم يخص بفرض الجهاد العدول دون الفساق فإذا كان الفرض عليهم واحدًا لم يختلف حكم الجهاد مع العدول ومع الفساق) [[1] ].

نعم، العناية بتربية النفوس وتهذيب الأخلاق أمرٌ لابد منه، وكلما كان حظُّ المرء منها أعظم كان جهاده على الوجه الأكمل، وكان أقربَ تحصيلًا لأسباب النصر، لكنَّ ذلك يتطلب من العلماء البذل والتضحية ومشاركة الأبطال ميادين النزال، خاصة في مثل حال أمتنا اليوم، ومن طلب عظيمًا خاطر بعظيم، وبالمخض يبدو الزبد ويبين، أما القعود مع الخالفين ودعوة الأمة إلى القعود وأن تخلِّى بين العدو وبين ما يريد من ديار المسلمين بحجة الانشغال بالتربية والتهذيب؛ فلا ولا كرامة، وما كلُّ من تقمَّص ثياب العلم فهو منهم:

وما كلُّ زهرٍ ينبت الرَّوضُ طيبٌ ولا كلُّ كحْلٍ للنواظر إثمدُ

(1) تفسير الرازي وعنه السندي في التمهيد: 324.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت