يَتَفَكَّرُونَ )) [الأعراف: 175 ـ 176]
نقف أولا مع هذه الصورة، وهي صورة العالم الذي باع دينه بعرض من الدنيا قليل (إنه مشهد من المشاهد العجيبة، الجديدة كل الجدة على ذخيرة هذه اللغة من التصورات والتصويرات .. إنسان يؤتيه الله آياته، ويخلع عليه من فضله، ويكسوه من علمه، ويعطيه الفرصة كاملة للهدى والاتصال والارتفاع .. ولكن ها هو ذا ينسلخ من هذا كله انسلاخًا. ينسلخ كأنما الآيات أديم له متلبس بلحمه فهو ينسلخ منها بعنف وجهد ومشقة، انسلاخ الحي من أديمه اللاصق بكيانه .. أو ليست الكينونة البشرية متلبسة بالإيمان بالله تلبس الجلد بالكيان؟ .. ثم إذا هو مسخ في هيئة الكلب، يلهث إن طورد ويلهث إن لم يطارد .. كل هذه المشاهد المتحركة تتتابع وتتوالى والخيال شاخص يتبعها .. وما أكثر ما يتكرر هذا النبأ في حياة البشر ما أكثر الذين يعطون علم دين الله، ثم لا يهتدون به، إنما يتخذون هذا العلم وسيلة لتحريف الكلم عن مواضعه. واتباع الهوى به .. هواهم وهوى المتسلطين الذين يملكون لهم - في وهمهم - عرض الحياة الدنيا. وكم من عالم دين رأيناه يعلم حقيقة دين الله ثم يزيغ عنها. ويعلن غيرها. ويستخدم علمه في التحريفات المقصودة، والفتاوى المطلوبة لسلطان الأرض الزائل! يحاول أن يثبت بها هذا السلطان المعتدي على سلطان الله وحرماته في الأرض جميعًا! [1]
أما الإعجاز العلمي فهو ذكر تفاصيل عن حياة الكلب أجلّكم الله فإنه إذا عطش أو ارتفعت درجة حرارة جسمه أو حدث الأمران معا فإنه يبدأ في اللهث بمعدلات سريعة , ثم يعود لتنفسه العادي , ثم يلهث سريعا , ثم يعود إلي التنفس البطيء حتي يحقق تبريد جسمه وضبط درجة حرارته , ويعين علي ذلك قدر الهواء الداخل إلي مقدمات الجهاز التنفسي وما يحمل معه من بخار الماء الذي يتصاعد من الأنسجة التي يمر عليها وهو خارج إلي الجو مع عملية الزفير خاصة أن الممرات الأنفية والفمية للكلب مصممة بنظام يسمح بمرور كمية كبيرة من الهواء مع كل نفس , كما يعين عليه المرونة الزائدة للجهاز التنفسي الذي يمتد مع الشهيق باستهلاك جزء يسير جدا من طاقة العضلات ويرتد بذاته مع عملية الزفير دون
ولكن حقيقة اضطرار الكلب إلي اللهاث المستمر تقريبا من أجل خفض درجة حرارة جسده , أو للتعبير عن شدة عطشه , أو عن الإجهاد الشديد الذي تعرض له , أو عن عارض عرض له , كل ذلك لم يعرف إلا في دراسات علم السلوك الحيواني , وهي دراسات مستحدثة لم تتبلور إلا في القرن العشرين أو في العقود المتأخرة منه علي أحسن تقدير , وتشبيه القرآن الكريم من انصرف عن الهداية الربانية إلي الانشغال التام بالدنيا والجري المتواصل من أجل تحصيلها دون التقاط للأنفاس , أو توقف للتأمل والمدارسة بحال الكلب اللاهث في أغلب أحواله لتبريد جسده أو إطفاء ظمئه , أو للتعبير عن رغبة عنده يعتبر سبقا علميا رائعا يشهد للقرآن الكريم بأنه لا يمكن أن يكون صناعة بشرية بل هو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه علي خاتم أنبيائه ورسله - صلى الله عليه وسلم -.
الآية الثانية:
(( وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ) ) (( وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ ) ).
(1) في ظلال القرآن ـ 1397